ابذل الوسع في حفظ العلم (حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "ويجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه" [¬١].
* قوله: "فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض قال الشعبي: (إذا سمعت شيئًا فاكتبه، ولو في الحائط) [¬٢] "، ذكر المؤلف هذا القول للشعبي، وكان الشعبي من أكثر الناس حفظًا، وكان له قوة غريبة في الحفظ، ومع ذلك أمر بالكتابة.
* الأدب الثامن والعشرون من آداب طالب العلم: أن يحفظ الطالب العلم من خلال رعايته، ورعاية العلم على أنواع:
أولها: أن يرعاه بالعمل؛ بحيث كلما علم مسألة عمل بها فهذا يكون قد عمل بعلمه، وتَرْكُ العمل بالعلم من أسباب غضب الله تعالى، كما في سورة الفاتحة، وقد جاء في =
_________________
(١) [¬١] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السماع للخطيب ١/ ٨٠. [¬٢] تقييد العلم للخطيب ١/ ٩٩.
[ ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الحديث، أن النبي ﷺ قال: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أيْ فلانُ ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) [¬١].
وكثير من أهل العلم قد حذر من هذا، روى جندب ﵁ مرفوعًا: (إن مثل الذي يعلِّم الناس ولا يعمل بعلمه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) [¬٢].
الطريقة الثانية لرعاية العلم: أن يكون مقصد الإنسان وجه الله والدار الآخرة، فإنك إذا قصدت ذلك بارك الله في علمك وجعلك تحفظه، ويبقى في ذهنك، أما من قصد الدنيا، فإن الدنيا زائلة، وما عُمل لله يبقى، وما كان لغيره يفنى.
الطريقة الثالثة: الدعوة إلى ما لديك من العلم، فإن هذا يبقي العلم عندك، فمتى كنت تدعو الناس وتدرِّسهم وتعلِّمهم، بقي العلم لديك، ومتى أهملت ما لديك من العلم، فلم تراع فيه ذلك، ولم تدع إليه فإنه مع مرور الزمن ستنساه ولن يبقى عندك.
الأمر الرابع: مما يحصل به رعاية العلم وحفظه: ترك المفاخرة به؛ فإن من فاخر بالعلم عاقبه الله بزوال ذلك العلم منه، وكثير من الناس فاخر بما لديه من العلم فكان ذلك سببًا من أسباب زوال العلم عنه؛ لأن الله - جل وعلا - جعل من سمة العلماء التواضع، فمن فاخر بالعلم وترفع به، وقال: علمي أحسن من علم غيري وضعه الله - جل وعلا -، وانظر: في قصة موسى لما قيل له: (هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله ﷿ إلى موسى: بلي، عبدنا خضر) [¬٣].
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٣٢٦٧). [¬٢] أخرجه أبو داود في الزهد (٣٧٧) ص ٣٢٦، وابن أبي عاصم في الآحاد (١٦٨١)، والطبراني ٢/ ١٦٧ (١٦٨٥). [¬٣] أخرجه البخاري (٧٤).
[ ١٣٤ ]
وليحذر أن يجعله سبيلًا إلى نيل الأعراض، وطريقًا إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.
وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة، واتخاذ الأتباع، وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه (^١).
(^١) قوله: "وليتق المفاخرة والمباهاة به"، يعني: وصف النفس بالعلو لكونها قد اتصفت بالعلم، ولا يكن قصده في طلب الحديث الرياء، وإنما ينوي بطلبه للحديث رضا رب العالمين، ودخول الجنة.
ولا ينوي الأعراض كالجاه والرئاسة والعلو والسمعة بأنه أخذ الشهادة، ولا يقصد الأعواض كالمرتبات وأجر المحاماة ونحوها.
الطريقة الخامسة: عدم الاستهزاء بالجهال، والضحك على تصرفاتهم، فإن الإنسان متى استهزأ بالآخرين لكونهم لا يعلمون عاقبه الله بسلب العلم منه، وقد جاء في الحديث: (لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك) [¬١].
كذلك من طرائق حفظ العلم ورعايته: حفظ مكانة أهل العلم، فإنك عندما تنتقص غيرك من العلماء فإن ذلك يكون سببًا في عدم تمكينك من تحصيل العلم؛ فإن الله - جل وعلا - جعل حملة العلم لهم مكانة وحرمة، وجعل المعتدي عليهم بالأذية يعاقب بالعقوبات الدنيوية والأخروية، كما في جاء في الحديث: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) [¬٢]، ولذلك يحفظ الإنسان لسانه من الكلام في علماء الشريعة.
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٢٥٠٦). [¬٢] أخرجه البخاري (٦٥٠٢).
[ ١٣٥ ]
وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية (^١)، فإن رواة العلوم كثر، ورعاتها قليل، ورب (^٢) حاضر كالغائب (^٣)، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء، إذا كان في اطِّرَاحه لحكمه (^٤) بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه (^٥).
(^١) قوله: وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية .. "، وهذه وسيلة أخرى من وسائل حفظ العلم بالرعاية، ألا وهي: التأمل والتدبر والتفكر في العلم الذي تعلمته؛ لتستفيد منه، وتستخرج منه الفوائد، فإن من يحفظ العلوم كثر، لكن من يستفيد منها ويأخذ منها الفوائد قليل، ولذلك قال النبي ﷺ: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) [¬١].
(^٢) قوله: "ورُبَّ"، يعني: يمكن أن يوجد.
(^٣) قوله "حاضر كالغائب"، بل قد يكون الغائب أكثر فهمًا وحفظًا ومعرفة وإدراكًا من الحاضر، وفي مرات يكون هناك من يحفظ المرويات، وتكون منزلته بمنزلة الجاهل لا يستفيد من ذلك العلم، بل قد تكون منزلته أدنى من منزلة الجاهل.
(^٤) وقوله: "ورب حامل للحديث ليس معه منه شيء إذ كان في اطراحه لحكمه"، يعني في تركه حكم الحديث، والعمل به والدعوة إليه.
(^٥) وقوله: "منزلة الذاهب عن معرفته وعلمه يكون كالذاهب، ونقول: الصواب أن حامل العلم الذي لا يعمل به أقل درجة من الشخص الذي لا يحْمِلُ ذلك العلم؛ لأنه إذا كان عندك عينان تتمكن من الإبصار بهما، ثم بعد ذلك تغلق عينيك، وتكون ممن يضرب في الأعمدة والجدران فإن حال من كان كذلك أقل من الأعمى الذي يضرب في الأعمدة والجدران لعجزه عن الرؤية.
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٢٦٥٦)، وأبو داود (٣٦٦٠).
[ ١٣٦ ]
وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله ﷺ ما أمكنه (^١)، وتوظيف السنن على نفسه (^٢)، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ا. هـ.