تعاهد علمك من وقت إلى آخر؛ فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان.
(^١) قوله: "وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله ﷺ ما أمكنه وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] "، ما أثر عن النبي ﷺ إما عبادة يجمل بنا أن نقتدي به فيها، وإما جبلة وعادة فلا يشرع أن نتقرب الله بفعلها.
(^٢) وقوله: "وتوظيف السنن .. "، أي: تطبيقها.
(^٣) هذا هو الأدب التاسع والعشرون من آداب طالب العلم: "تعاهُد المحفوظات"، بحيث يكرر الإنسان ما يحفظه من وقت لآخر، سواء كان هذا المحفوظ من كتاب الله ﷿ الذي ينبغي لطالب العلم أن يجعل له وردًا يوميًا من كتاب الله، ولا ينبغي أن يقل ورده عن جزء في اليوم ليختم في كل شهر، وهكذا يتعاهد ما يحفظه من سنة رسول الله ﷺ ليكون بذلك قد تمكن من حفظ هذه الأحاديث، وتمكن بذلك أن يكون داعيًا إلى الله منطلقًا في دعوته من النصوص الشرعية كتابًا وسنة.
[ ١٣٧ ]
عن ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت) [¬١].
رواه الشيخان، ومالك في "الموطأ" (^١).
= وهكذا يتعاهد ما يحفظه من فنون أهل العلم ومتونهم، فإنك إذا لم تتعاهد هذه المحفوظات فإنها ستذهب، فإذا كان القرآن مع عظمته ومع كونه ميسِّرًا للذكر، كما قال - جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠]، إلا أنه مع ذلك إذا لم يتعاهده المرء فإنه يفوت ويُنْسى، فإن الله - جل وعلا - يغار على قلب العبد، فإذا فرَّغ العبد قلبه لتذكر محفوظاته ومن أولاها كتاب الله فإنه حينئذٍ يبقى هذا المحفوظ، وإذا كان القلب لا يشتغل بذكر الله، ولا بقراءة كتابه غار الله على كتابه، فلم يجعله باقيًا في قلب ذلك العبد، دلَّ على هذا المعنى قول النبي ﷺ: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلها) [¬٢].
(^١) وحديث ابن عمر: (إنما مثل صاحب القرآن - أي: حافظ القرآن - كمثل صاحب الإبل المعلقة - يعني المربوطة الأقدام - إن عاهد عليها - يعني: تفقد هذا الرباط - تمكن من إمساكها، وإن أطلقها)، ولم يربطها ولم يعلقها فإن هذه الإبل ستذهب، وستكون من الإبل الشوارد.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٤٧٤٣)، ومسلم (٧٨٩)، ومالك في الموطأ (٤٧٤). [¬٢] أخرجه مسلم (٧٩١).
[ ١٣٨ ]
قال الحافظ ابن عبد البر (^١) ﵀: "وفي الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه، ذهب عنه (^٢)، أي من كان، لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير (^٣)، وإذا كان القرآن الميَسَّر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟. وخير العلوم ما ضبُط أصلُه، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه" [¬١] ا. هـ.
(^١) قوله: "قال الحافظ .. "، نقل المؤلف كلام الحافظ ابن عبد البر؛ وهو هو مكانةً ومنزلة وعلمًا وفضلًا.
(^٢) قوله: "وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه … "، أي: لم يكرره ولم يعده مرة بعد أخرى، سواء كانت الإعادة بقراءته، أو بتكرار تدريسه، أو بقراءة الناس عليه ذلك العلم.
(^٣) قوله: "من لم يتعاهد علمه ذهب عنه، أي من كان؛ لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير"، لأنه أساس العلوم.
ويبدو أن السنة أيضًا كانت كذلك، لكن السنة قد يعتبرها البعض تابِعَة أو مفسرة، وقد يعتبرها بعضهم دليلًا مستقلًا، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يُتَعَاهد فما ظنك بغيره من العلوم؟! والعلوم لها أصول: متى ضبطتَ الأصل ضبطتَ ما يترتب عليه من الفروع، فاضبط الأصل واحفظه حفظًا كاملًا، وبذلك تكون قد عرفت تلك الفروع وعرفت الرابط بينها، ومن ضبط الأصل واستذكر الفرع بنيَّة التَّقرب الله حصل حينئذٍ على رضا رب العالمين.
_________________
(١) [¬١] التمهيد ١٤/ ١٣٢ - ١٣٣.
[ ١٣٩ ]
وقال بعضهم: "كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى دُلٍّ مصيره" (^١) [¬١] ا. هـ.
(^١) قوله: وقال بعضهم: (كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى ذل مصيره) "، ذكر قول حكيم العرب الأحنف، وذلك أن أيّ عزٍّ إذا لم يكن معه علم يقيّد تصرفات صاحب ذلك العز بقيود الشريعة فإن الله - جل وعلا - يعاقبه بسلب تلك النعمة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
وسأضرب لذلك أمثلة:
أولها: عز المال، من كان عنده مال عَزَّ به، فإن سار به على موجب الشريعة وعلى طرائقها فإنه حينئذ ستستمر تلك النعمة، ويبقى عزه، أما إذا لم يؤكدها بعلم وأصبح يتصرف فيها خبط عشواء، فإنه حينئذ سيزول عنه ذلك المال عما قريب مهما كان صاحبه.
المثال الثاني: من كان عنده عز متعلق بمكانة وجاه، فإن كان يصرفها بعلم بَقِيَتْ هذه النعمة، وإن لم يكن له علم فإنها سَتُسْلَب منه هذه النعمة، وسيصيرُ إلى الذل، وهكذا في بقية الأسباب المؤدِّية إلى العز، فإن لم تؤكد بعلم فإنها ستؤول بالإنسان إلى ذُل، وأنتم تشاهدون هذا في زمانكم، تأملوا تجدوه واضحًا جليًا، انظر من كان عنده مال فعمل فيه بالشرع، وأنفق منه في الخير؛ بارك الله له في ماله وأبقى عزه، ومن أفسده ماله، ثم أصبح يخبط به خبط عشواء فإنه عما قريب سيفتقر، وكم من إنسان شاهدتموه كان صاحب مال وعز ومكانة، ثم بعد ذلك افتقر وذلَّ؟! وشاهِدُ ذلك في كتاب الله: قصة قارون.
وهكذا أيضًا من كان عِزّه بوظيفة أو بعمل أو بجاه، سواء كان بمكانة أو بمنزلة أو بغير ذلك من الأسباب التي يعز الإنسان بها، إذا لم يُؤَكّد ذلك العز بعلم فإنه عما قريب سيصير إلى ذُلٍّ.
_________________
(١) [¬١] إحياء علوم الدين ١/ ٨، جامع بيان العلم ص ٧٣، من كلام الأحنف.
[ ١٤٠ ]