التَّحَلّي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى، محافظًا على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها؛ دالًا على الله
(^١) ثم ذكر كلمة شيخ الإسلام: "أهل السنة نقاوة المسلمين"، يعني صفوتهم "وهم خير الناس"، لأنهم يرشدونهم إلى الحق، ويحسنون إليهم، ويكُفّون عن الكلام في معايبهم، وبالتالي هم خير الناس للناس، بينما بقية الطوائف يكون عندهم من الشر والأذى ما يقابلون به إحسان أهل السنة إليهم، ولذلك من رحمة الله أن جعل أهل السنة أهل الصفات الحسنة الذين يحسنون إلى الخلق، وكلما ابتعد الإنسان عن السنة تقرَّب إلى الله بإيذاء الناس.
(^٢) الأدب الثالث من حلية طالب العلم: "ملازمة خشية الله تعالى"، بحيث يمتلئ قلبك من مخافة الله التي تدفعك إلى طاعته، وتبعدك عن معصيته، والفرق بين الخوف والخشية أن الخوف يُلاحظ فيه الخائفُ ضَعْفَ نفسه، والخشية يُلاحِظُ فيها الخاشي قوة المخشي، فعندما يُلاحظ المرء قدرة الله - جل وعلا - تبدأ عنده درجة الخشية، وكلاهما مطلوب؛ الخشية والخوف، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، والخشية أيضًا مطلوبة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١]، فإذن الخشية من الدرجات المطلوبة، والخشية تدفع الإنسان إلى المحافظة على شعائر الإسلام في باطنه وظاهره.
[ ٢٨ ]
بعلمك وسمتك وعملك، متحليًا بالرجولة، والمساهلة، والسمت الصالح (^١).
وملاك ذلك خشية الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصل العلم خشية الله تعالى".
فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم، إذن فخير البرية هو العالم، ولا يغب عن بالك أن العالم
= الخشية تنشأ من أمور:
أولها: العلم بالله تعالى وبقدرته وبصفاته، ومن ذلك أن يعلم العبد أن الله مطلع عليه في كل أحواله.
الثاني: مما تنشأ عنه الخشية، معرفة العبد بأن ربه قادر عليه، قادرٌ على إنزال العقوبة به، ويُطالع سنن الله في الكون في الأمم السابقة كم أنزل بهم من العقوبات.
والخشية تنشأ من ملاحظة الدار الآخرة، وأن المرء عما قريب منتقل إليها، ومحاسبٌ على أعماله في الدنيا، فأذا استحضر الإنسان ذلك زادت عنده صفة الخشية من الله تعالى.
هذه الخشية ليست خاصة بالقلب بل لها مظاهر في ظاهر البدن، منها المحافظة على شعائر الإسلام ومنها إظهار السنة، ومنها حرص الإنسان على نشر السنة والدعوة إليها، ومنها أن يكون المرء متخلقًا بالأخلاق الفاضلة، سهلًا مع عباد الله.
- وهذا معنى قول المؤلف: "والمساهلة"، يعني أن يكون هيِّنًا رفيقًا مع الخلق.
(^١) قوله: "السَّمت الصالح"، فالسَّمت المراد به الصفة الظاهرة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [فاطر: ٢٨].
[ ٢٩ ]
لا يعدُّ عالمًا إلا إذا كان عاملًا، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لزمته خشية الله.
وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية برواية آباء تسعة، فقال: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة بن عبد الله التميمي من حفظه؛ قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) (^١).
وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى.