لا تفزع (^٢) إذا لم يُفْتَح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير (^٣)، ومنهم من صرح بذلك كما يعلم من تراجمهم، ومنهم: الأصمعي في علم العروض، والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق، وأبو مسلم في علم التصريف، والسيوطي في الحساب، وأبو عبيدة، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو الحسن القطيعي، وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو حامد الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو.
(^١) هذا الأدب متعلق بصعوبة ببعض المسائل أو بعض الفنون، هل تكون عائقًا لطالب العلم عن مواصلة العلم؟ أقول: لا يحسن أن يكون ذلك عائقًا عن مواصلة العلم، لماذا؟ لأنه:
أولًا: طلب العلم لله، فمقصوده الأساسي هو الأجر والثواب، وهذا حاصل على كل حال، ولو لم يفهم العلم.
ثانيًا: العلم مسائل متعددة، وفنون مختلفة، فإذا استعصى عليك فن وفهمت غيره، أو استعصت عليك مسألة وفهمت غيرها فحينئذ أنت قد حصلت، ولا لوم عليك في ذلك.
(^٢) فقوله: "لا تفزع"، أي: لا تحزن، ولا يصدنك عن طلب العلم كونك لم تفهم علمًا من العلوم، ما لم تفهمه تجاوزه إلى غيره.
(^٣) قوله: "لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير"، أي: ماذا نفعل عند استعصاء بعض العلوم؟
أولًا: نواصل العلم والتعلُّم في بقية العلوم وبقية المسائل، وهذه المسألة التي استشكلت علينا نتركها حتى يأتي وقت فهمها، فكونك تريد فهم مسألة، فتعيقك عن =
[ ١٥١ ]
فيا أيها الطالب! ضاعف الرغبة (^١)، وافزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كثيرًا ما يقول في دعائه، إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى: "اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علِّمني، ويا مفهِّم سليمان فهِّمني"، فيجد الفتح في ذلك [¬١].
= فهم بقية المسائل، فهذا ليس من العقل في شيء، فاتركها إلى غيرها من المسائل حتى يأتي سبيل فهمها.
الثاني: الاتصال بالعلماء الفاهمين الناصحين وهم سيشرحون لك هذه المسألة، ويبينونها لك.
الثالث: مراجعة كتب أهل العلم الأخرى، فإنها تسهِّل لك الفهم، فقد يتكلم الإنسان بجملة غير مفهومه في موطن، ويتكلم إنسان آخر عن هذا المعنى في كتاب آخر بأسلوب واضح سهل.
الأمر الرابع: التوكل على الله وحسن اللجوء إليه بأن يُعلِّمك ويُفهِّمك، والله قد وعد بإجابة الداعين، ومما يتعلق بهذا طلب العبد من ربه - جل وعلا - أن يزيده من العلم، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
لهذا نجد بعض الأئمة عسر عليم فهم بعض العلوم، فلم يصدهم ذلك عن التعلم، بل أصبحوا أئمة علماء مشهورين في فنون أخرى غير الفنون التي استعصت عليهم، وقد ذكر المؤلف نماذج.
(^١) قوله: "ضاعف الرغبة، وافزع إلى الله في الدعاء .. "، على طالب العلم أن يتقرب إلى الله بالسؤال والتضرع بين يديه أن يفهمه ما استشكل عليه، وكان من الأدعية: (اللهم =
_________________
(١) [¬١] إعلام الموقعين ٤/ ٢٥٧، المستدرك على مجموع الفتاوى ٥/ ٢٥٠.
[ ١٥٢ ]