يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية، في الطلب، والتحمل، والعمل والبلاغ، والأداء.
= إني أسألك فهم النبيين، وحفظ المرسلين، والملائكة المقربين) [¬١].
وكم من إمام عرضت له هذه المسائل وهذه الإشكالات فلجأ إلى الله، وإلى الصلاة؛ فسَهُل له ما استعصى عليه، وقد قال ابن عمر: (مكثتُ السنين في حفظ سورة البقرة) [¬٢]، فلم ينقص هذا من مكانته، بل هو من أجل علماء الأمة، وقال الإمام أحمد: "جلست تسع سنوات أدْرس باب الحيض"، وما ذاك إلا أنه استعصى عليهم العلم، فقَلَّبوا النظر وكرَّرُوه وأعادوه حتى فهموه.
(^١) الصفة الثانية والثلاثون من صفات طالب العلم الأمانة العلمية، بحيث لا يكون كاذبًا في نسبة شيء إلى نفسه وهو من كلام غيره، ولا يكون كذلك خائنًا، فيما يتعلق بعمله، فلا يُعْطِي ولا يتكلَّم إلا بما يظُنّ أنه الصواب والصحيح، فالأمانة العلمية مطلوبة في النقل، وفي الحديث والتكلم وقد جاءت النصوص بالترغيب في الأمانة وفي حفظها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] وحذرت الشريعة من الخيانة، فمن خصال المنافق أنه إذا عاهد غدر، وأنه إذا اؤتمن خان [¬٣].
_________________
(١) [¬١] موطأ مالك برواية يحيى الليثي، (٤٧٩)، الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/ ١٦٣، شعب الإيمان للبيهقي (١٩٥٦)، ٢/ ٣٣٠. [¬٢] حاشية الروض المربع لابن قاسم ١/ ٣٦٩. [¬٣] أخرجه البخاري (٣٤) كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، ومسلم (٥٨)، كتاب الإيمان، باب خصال المنافق.
[ ١٥٣ ]
"فإن فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة، ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة (^١).
لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة، وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقرًا، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابدة أهل العلم إلى نقد الرجال، وتمييز من يُسْرِف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفى عليهم منزلته من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الآخر، أو احتمالهما على سواء" (^٢).
= ونهت الشريعة عن الخيانة في الحديث: (لكلِّ غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرَةُ فلان) [¬١].
إذا تقرر هذا؛ فإن الأمانة تكون في الطلب، وتكون في وقت التحمُّل والحفظ، وتكون في وقت العمل، وتكون في أثناء الدعوة والبلاغ.
(^١) قوله: "فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة"، القُرْحَة مرض باطني يكون في المعدة، يصيبها فيجعلها لا تتمكن من هضم الطعام، فمن تحدَّث في العلم بغير أمانة فإنه سيشوش على الناس، "ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة".
(^٢) قوله: "لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص."، أي: طوائف يتعلمون العلم لأهداف غير مقبولة، فهم لا يتعلمون العلم ليتحلوا بالفضائل ويتخلقوا بها، وهم =
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٧١١١)، ومسلم (١٧٣٦)، والترمذي (٢١٩١).
[ ١٥٤ ]