صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق، وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين، فيا خيبة من فرط فيه! ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى.
= لم يتعلموا الله، وهم لا يتعلمون العلم لنفع الناس وتعليمهم، فحينئذ لن توجد أمانة علمية عندهم، وبعض الناس يحاول أن يمدح نفسه بنسبة أفعال جميلة للآخرين إليه، وفي الحديث: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) [¬١]، وهذا هو الذي جعل بعض الأئمة يتكلم في بعض الرواة قدحًا، وكلما وجدوا شخصًا ألف أو روى تكلموا فيه ببيان مواطن خطئه ومواطن تعثره، ليصبح الطلاب على بصيرة من قيمة هذه المقروءات والمسموعات.
(^١) هذا هو الأدب الثالث والثلاثون من أدب طالب العلم: الصدق، قد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩)، ويقول النبي ﷺ: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار) [¬٢]، ويقول ﷺ: (الصدق طمأنينة والكذب ريبة) [¬٣]، والصدق له صلة بالأمانة، فإن غَيْر الأمين غير صادق، ونضرب لهذا مثلًا: من قال: إن الفقيه الفلاني لا يقول بكذا، وهو لم يتأكد أو يعرف خلافه، فحينئذ ليس بصادق ولا بأمين، وصِدْق اللهجة ينتج عنه أمور:
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٢٩). [¬٢] أخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧)، والترمذي (١٩٧١)، وأبو داود (٤٩٨٩). [¬٣] أخرجه الترمذي (٢٥١٨).
[ ١٥٥ ]
قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: "تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم" [¬١]، وقال وكيع رحمه الله تعالى: "هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق" (^١) [¬٢].
فتعلم - رحمك الله - الصدق قبل أن تتعلَّم العلم والصدق: إلقاء الكلام على وجهٍ مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة (^٢):
= أولها: رضا رب العزة والجلال، وتحصيل التقوى.
وثانيها: أن الصدق سبب لتوقير الخلق للإنسان، وقبولهم ما جاء به.
وثالثها: أن الصدق يحصل به الشرف وطمأنينة النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، والصدق يحصُلُ به رجحان، العقل، ويحصل به محبة الخلق، ويحصل به صيانة الديانة.
(^١) قوله: "قال الأوزاعي: (تعلم الصدق قبل أن تتعلم الحديث) وقال وكيع: (هذه صناعة لا يرتفع فيها إلا صادق) "، يعني لا يُحَصّل فيها العلم إلا صادق، ومن هنا يُقدَّم تعويد النفس على الصدق على طلب العلم، والصدق يكون بأمرين: موافقة الواقع، وموافقة الاعتقاد، فلو كنت أظن أن زيدًا ليس وراء الجدار، وقلت: زيد وراء الجدار، وكان - حقيقةً - زيد وراء الجدار، حينئذ هذا يخالف الاعتقاد، لكنه لا يخالف الواقع فهذا كذب، مثال هذا: رأى أخته حاملًا، فقال في بطنها ولد ذكر، فولدت وأصبح ولدًا ذكرًا، نقول هنا: هذا كلام كاذب، وهو وإن وافق الواقع لكنه يخالف الاعتقاد، وبالتالي يكون كلامًا كذبًا.
(^٢) قوله: "وأودية، يجمعها ثلاثة .. " قسَّم المؤلف الكذب ثلاثة أقسام:
_________________
(١) [¬١] الجامع للخطيب ١/ ٣٠٣ (٦٥٥). [¬٢] الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع للخطيب ٢/ ٦ (١٠٠٩).
[ ١٥٦ ]
١ - كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقًا أو مبتدعًا فيصفه بالاستقامة (^١).
٢ - وكذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع، كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية (^٢).
٣ - وكذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد، كمن يعتقد صلاح صوفي مُبتدع فيصفه بالولاية، فالزم الجادة (الصدق) (^٣)
(^١) قوله: "كذب المتملق": وهو الذي يعتقد أن كلامه باطل، ويكون كلامه مخالفًا للواقع، مثال ذلك: محمد قابله شخص بينه وبينه عداوة، فقال له: إني أحبك، وفي الحقيقة هو لا يحبه، حينئذ هو مخالف للواقع ومخالف للاعتقاد، فهذا إذن متملق.
(^٢) قوله: "كذب المنافق": المنافق يقول: الدعاة صادقون، نافعون للأمة، لكن في نفسه يقول: والله ما لهم فائدة، فهو يقول: الدعاة صادقون نافعون للأمة بلسانه، لكن في قلبه يقول: ضيقوا على الناس، فحينئذ نقول: هذا منافق كاذب؛ لأنه تكلم بكلام يوافق الواقع، لكنه يخالف اعتقاده.
(^٣) قوله: "كذب الغبي بما يخالف الواقع": ومثال ذلك: رجل يظن أن محمدًا خلف الجدار، فقال: محمد خلف الجدار، لكنه لم يكن خلف الجدار، كذلك من اعتقد أن الصوفي المبتدع صالح، ووصفه بالولاية، هذا يخالف الواقع؛ لأن شرط الولاية الإيمان والتقوى، كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: ٦٢)، لو جاءك صوفي يقول باطراح التكاليف، فحينئذ نقول: هذا المتكلم مخالف للواقع، لكنه يطابق اعتقاده، فيكون هذا من الكذب.
[ ١٥٧ ]
فلا تضغط على عَكَدِ اللسان (^١)، ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقًا إلا على حروف تُعَبِّر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر (^٢)، كالذي تدركه الحواس الخمس السمع والبصر، والشم والذوق واللمس.
فالصادق لا يقول: "أحببتك" وهو مبغض (^٣)، ولا يقول: "سمعت" هو لم يَسْمَعْ، وهكذا. واحذر أن تحوم حولك الظنون فتخونك العزيمة في صدق اللهجة، فتُسجل في قائمة الكذابين (^٤).
(^١) قوله: "فلا تضغط على عَكد اللسان"، أي: يضم أجزاء اللسان يعني بالكذب.
(^٢) قوله: "ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقًا .. "، فاك يعني: الفم، ولا تتكلم إلا بالصدق. ولا تنطق "إلا على حروف تُعبِّر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر"، سواء أدركته بالحواس الخمس، أو أدركته بواسطة الاستدلال.
(^٣) قوله: "فالصادق لا يقول: "أحببتك" وهو مبغض"، هذا من أي أنواع الكذب؟ هذا متملق، يخالف الواقع والاعتقاد.
(^٤) قوله: "ولا يقول: سمعت وهو لم يسمع، واحذر أن تحوم حولك الظنون"، فيتهموك بالكذب، وحينئذ لا يُقْبَل منك، وبالتالي تصبح من الكذبة، قد يقول القائل: كيف أدرِّب نفسي على الصدق وترك الكذب، فنقول: يحصل هذا بأمور:
أولًا: استحضار أن الله أمرك بذلك.
ثانيًا: بمعرفة رذيلة الكذب، وفضيلة الصدق.
ثالثًا: بالنظر في أحوال أهل الصدق والكذبة، فأهل الصدق نصرهم الله وأيَّدهم، وأهل الكذب خذلهم الله.
[ ١٥٨ ]
وطريق الضمانة لهذا - إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه -: أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه، وأن الكاذب عن قريب ينكشف.
واستعن بالله ولا تعجزن، ولا تفتح لنفس سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع.
فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذه المروق (الكذب في العلم) لداء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق (^١).
(^١) قوله: "سابلة المعاريض .. "، المعاريض: أن تتكلم بكلام له معنيان:
أحدهما: معنى يفهمه غيره، لكنه غير واقع، وتريد غيرك يصدقك.
والثاني: خفي موافق لما في الخارج لا تريد من غيرك فهمه.
جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (في المعاريض مندوحة عن الكذب) [¬١]، نمثل للمعارض لما سألته هذا أخوك؟ - وهو ليس ابن أبيه ولا أمه - قال: نعم، وأراد أخوة الإسلام، فالظاهر أني لما سألت: هل هذا أخوك؟ أريد الأخوة من النسب، فلما قال: نعم، حينئذ أوهمني بأن المراد الأخوة النسبية، وكان مراده الأخوة الإيمانية.
ما حكم المعاريض؟ المعاريض على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: إذا كان سيتوصل بها إلى إبطال الحقوق وأكل أموال الناس فهي حرام، قال: أشهد بالله أن ما له عند زيد شيء، هذه العبارة تنفي وجود الحق، لكن لما عُدنا إليه سألناه قال: أنا أقصد (ما) الموصولة، فقولي: (ما له) يعني الذي له على زيد شيء، هذا من المعاريض، وتوصلنا به إلى إبطال حق، فيكون محرمًا، كذلك المعاريض في الأيمان لا تجوز =
_________________
(١) [¬١] أخرجه ابن السني مرفوعًا في عمل اليوم والليلة (٣٢٧).
[ ١٥٩ ]
ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالًا يحملون بصائر نافذة، وأقلامًا، ناقدة فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريتك عن ثلاث معان:
الأول: فقد الثقة من القلوب.
الثاني: ذهاب علمك وانحسار القبول.
الثالث: أن لا تُصَدَّق ولو صدقت (^١).
وبالجملة فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى. والله أعلم.
= لقول النبي ﷺ: (يمينك على ما يُصدِّقُك به صاحبك) [¬١].
النوع الثاني: المعاريض التي يتوصل بها إلى إحقاق حق، أو إصلاح بين اثنين، أو إبطال خصومة، هذه مشروعة، ويؤجر الإنسان عليها إن شاء الله.
النوع الثالث: معاريض للتخلص من إحراج الآخرين بدون أن تؤثر على حقوقهم، فهي جائزة لكنها ليست من طبائع أهل العلم.
بعض الناس يكذب في المسائل العلمية ليكون له مكانة ومنزلة، فيقول: أنا وجدت الكتاب الفلاني، وهو ما قرأه ولا اطلع عليه فهذا كذب! لا يُبَارك له في كلامه.
(^١) قوله: "ومن تطلَّع إلى سمعة فوق منزلته"، فإن الله سيعاقبه، وما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع والكذب يورث أمورًا:
أولها: عدم الثقة في الكاذب، إذا كذب أول مرة، فاحتمال أن يكذب مرة ثانية.
ثانيها: ذهاب بركة علمه، بل قد يؤدي إلى زوال العلم بالكلية.
والثالث: عدم قبول الناس وعدم تصديق الناس لكلامه فالساحر يُظهر للناس أمورًا مخالفة للحق والواقع، حينئذ كان فيه شبه من الكاذب، ولذلك قارن المؤلف بينهما.
_________________
(١) [¬١] أخرجه مسلم (١٦٥٣)، وأحمد (٧١١٩)، وأبو داود (٣٢٥٥)، وابن ماجه (٢١٢١).
[ ١٦٠ ]