الوقت، الوقت للتحصيل، فكن حِلْفَ عمل لا حِلْفَ بطالة وبَطَر، وحِلْسَ معمل لا حِلْسَ تَلَهٍّ وسمر (^٢)، فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد
(^١) الله - جل وعلا - خلقنا من أجل غاية؛ وهي عبادته - جل وعلا -، كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ومن أعلى درجات العبادة: طلب العلم، ومن هنا فاستعمل حياتك فيما خُلقت له، واستعمل جميع وقتك من أجل الهدف والغاية التي خُلِقت من أجلها، ثم إنك سَتَرِدُ على رب العزة والجلال، وسيسألك عن كل أعمالك، وجميع أوقاتك، ماذا عملت فيها؟ [¬١]، حينئذ استعمل هذا الوقت في العمل الذي يكون سببًا لفلاحك ونجاحك، ومن ثم يترك الإنسان تضييع الأوقات فيما لا يفيد.
كان بعض الأئمة يحرص على استعمال وقته فيما يفيد، ولا يترك منه شيئًا، حتى إن المجد بن تيمية جد شيخ الإسلام كان يُقرأ عليه العلم عند قضائه للحاجة [¬٢]، لا يريد أن يُفَوِّت وقته، وبعضهم كان إذا جاءه الأضياف يحرص على أن يشتغل ببري القلم عند أضيافه؛ لئلا يضيع شيء من وقته، والشواهد في هذا كثيرة، ومن هنا فاحفظ عمرك.
(^٢) قوله: "فكن حلف عمل لا حلف بطالة وبطر"، الحلف هو العقد الذي يعقده الإنسان، فاعقد نفسك مع الأعمال حتى تنتج وتثمر، ولا تكن مع البطالة، وهي ترك العمل، والبطر الذي هو تضييع الوقت وجحد هذه النعمة، وحينئذ كن "حلس معمل"، والحلس هو المرابط، "ولا تكن حلس تلهٍّ وسمر"، فالتلهي ابتعد عنه، والسمر الذي لا يفيدك ابتعد عنه، فالمحافظة على الوقت يكون بالجد والاجتهاد.
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٢٤١٧). [¬٢] ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ٢٨٤.
[ ١٦٢ ]
وملازمة الطلب ومثافنة الأشياخ (^١)، والاشتغال بالعلم قراءة (^٢) وإقراء (^٣)، ومطالعة وتدبرًا وحفظًا وبحثًا، لاسيما في أوقات شرخ الشباب (^٤) ومقتبل العمر (^٥)، ومعدن العاقبة، فاغتنم هذه الفرصة الغالية، لتنال رتب العلم العالية، فإنها "وقت جمع القلب، واجتماع الفكر"، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس (^٦)، ولخفة الظهر والعيال.
(^١) قوله: "وملازمة الطلب، ومثافنة الأشياخ"، بملازمتهم ومجالستهم حتى تكون قريبًا منهم.
(^٢) قوله: "والاشتغال بالعلم قراءة"، أي: يقرأ لنفسه.
(^٣) قوله: "وإقراءً"، أي: يقرأ لغيره، أو يُقرأ عليه.
(^٤) قوله: "ومطالعة وتدبرًا وفهمًا وحفظًا، وبحثًا وخصوصًا في أوقات شرخ الشباب"، ووقت أول الشباب أدْعَى بأن تحفظه.
(^٥) قوله: "ومقتبل العمر"، وبذلك إذا اغتنمت الوقت حصلت على رتب العلم العالية، فوقت الشباب هو وقت اجتماع القلب، ليس عندك مشغلات كثيرة تشغل قلبك وتجعلك تنسى، ووقت الشباب هو وقت اجتماع الفكر.
(^٦) قوله: "لقلة الشواغل والصوارف .. " ليس عند الشباب عيال، ولا عنده حوائج يُشغل بها، ولا يهتم بقضايا عامة أو خاصة، ومن ثم اجتنب التسويف، أيها الشباب وبادر، يقول النبي ﷺ: (بادروا بالأعمال ستًا، ما تنتظرون إلا غنى مُطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو كبرًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر منتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمر) [¬١]، وقال: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم) [¬٢]. إذا بادر الإنسان أعمال الطاعة، ومنها طلب العلم، فهذا شاهد وجود كِبَر الهمة لديه.
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٢٣٠٦)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨٤٩٨). [¬٢] أخرجه. مسلم (١٨٦).
[ ١٦٣ ]
ما للمعيل وللعوالي إنما … يسعى إليهن الفريدُ الفارد (^١)
وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا … وهكذا، بل البدار قبل أن يصدق عليك قول أبي الطحان القيني:
حنتني حانيات الدهر حتى … كأني خاتل أدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني … ولست مقيدًا أني بقيد
وقال أسامة بن منقذ:
مع الثمانين عاث الضعف في جسدي … وسائني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطي خط مضطرب … كخط مرتعش الكفين مرتعد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قَلَمًا … من بعد حمل القنا في لَبَّةِ الأسَدِ
فقل لمن يتمنى طول مدته … هذي عواقب طول العمر والمُدَد
فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل "كبر الهمة في العلم".
(^١) قوله: "ما للمعيل .. "، المعيل: كثير العيال والعوالي: المنازل الرفيعة، ولا تنافي بين ما ذكره المؤلف والزواج، بل الزواج من أسباب استقرار النفس، ومن ثم كثرة اشتغاله بالعلم، واستيعابه له.
[ ١٦٤ ]