خذ من وقتك سويعات تجم بها نفسك في رياض العلم من كتب المحاضرات (الثقافة العامة)، فإن القلوب يروح عنها ساعة فساعة.
وفي المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (أجمعوا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان) (^٢).
(^١) هذا هو الأدب السادس والثلاثون من آداب طالب العلم: إجمام النفس؛ بحيث لا يحملها على شيء في جميع الأوقات فتمل منه، وكذلك لا يتعب نفسه تعبًا يجعلها تصبح لا تميز العلوم، فإن من جعل نومه قليلًا أقل مما تحتاج إليه نفسه ضعفت نفسه، ولم يستطع التركيز والبحث، وهكذا من لم يَطْعَم الطعام الذي يغذيه، فإن نفسه تضعف، وبالتالي يكل، ولا يتمكن من الفهم، ومن مواصلة التعلم، وشاهد هذا كثير في النصوص الشرعية، يقول النبي ﷺ: (إن المُنبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى) [¬١]، المنبت الذي يركب ناقته ويسير بها ويواصل بدون أن يرتاح، فحينئذ يُتعب ناقته فتعجز في نصف الطريق، فيكون لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وجاء في الحديث؛ حديث النفر الثلاثة الذين قال قائلهم: أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم ولا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء، فعتب عليهم النبي ﷺ وقال: (أما والله إني لأخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) [¬٢].
(^٢) قوله: "وفي المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: "، وكذلك النظر في بعض النكت والطرائف حتى تنشط نفسك، والنكت: هي الأمور الغريبة؛ والطرائف هي التي تتحرك لها النفس وتطرب، ولذلك كان النبي ﷺ ربما جاء منه المزاح، قال
_________________
(١) [¬١] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤٧٤٣). [¬٢] أخرجه البخاري (٥٠٦٣).
[ ١٦٥ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكمة النهي عن التطوع في مطلق الأوقات (^١): "بل في النهي بل في النهي عنه بعض الأوقات مصالح أخر، من إجمام النفوس بعض الأوقات، مِنْ ثِقَل العبادة، كما يجم بالنوم وغيره، ولهذا قال معاذ: إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي … " [¬١].
وقال: "بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض الأوقات: إجمام النفوس في وقت النهي لتنشط للصلاة، فإنها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه، وتنشط للصلاة بعد الراحة. والله أعلم) [¬٢] ا. هـ
= علي: (أجموا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل) [¬٣].
(^١) قوله: "قول ابن تيمية: في حكمة النهي في التطوع المطلق في بعض الأوقات"، وشاهد هذا أيضًا في منع المكلف من العبادة في بعض الأوقات من أجل ألا يتعب نفسه، وانظر إلى حديث عبد الله بن عمرو لما كان يصوم ولا يفطر، وكان يقوم حتى أثر ذلك على نفسه، فجاء أبوه إلى النبي ﷺ فسأله عن عبادته، ثم بعد ذلك أرشده إلى ترك مواصلة العبادة، بحيث يجعل وقتًا للراحة، ولا يشق على نفسه، وانظر في حديث تلك المرأة (زينب) التي كانت تضع حبلًا في المسجد حتى إذا تعبت تعلقت بالحبل، فقال النبي ﷺ: (لا، حُلُوهُ لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد) [¬٤].
ومن ذلك المفاوتة بين الفنون، فإنك لو استمررت على فنّ واحد من الممكن أن تمل نفسك، فتنتقل من علم إلى علم، كداخل البستان مرَّة يأكل عنبًا، ومرة يأكل رمانًا، ومرة يأكل تينًا، ومرة يأكل من غيره، أما لو أكل من صنف واحد فسيملّ.
_________________
(١) [¬١] مجموع الفتاوي ٢٣/ ١٨٧. [¬٢] مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢١٧. [¬٣] ربيع الأبرار ٥/ ٤٤٦. [¬٤] أخرجه البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤)، والنسائي (١٦٤٣).
[ ١٦٦ ]
ولهذا كانت العطل الأسبوعية للطلاب منتشرة منذ أمد بعيد، وكان الأغلب فيها: يوم الجمعة، وعصر الخميس، وعند بعضهم يوم الثلاثاء، ويوم الاثنين، وفي عيدي الفطر والأضحى من يوم إلى ثلاثة أيام وهكذا (^١).
ونجد ذلك في كتب آداب التعليم، وفي السير، ومنه على سبيل المثال: "آداب المعلمين" لسحنون، و"الرسالة المفصلة" للقابسي، و"الشقائق النعمانية"، وعنه في "ابجد العلوم"، وكتاب "أليس الصبح بقريب" للطاهر بن عاشور، و"فتاوى رشيد رضا"، و"معجم البلدان"، و"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية".