الجرد للمطولات من أهم المهمات؛ لتعدد المعارف، وتوسيع المدارك، واستخراج مكنونها من الفوائد والفرائد والخبرة في مظان الأبحاث والمسائل، ومعرفة طرائق المصنفين في تأليفهم واصطلاحهم فيها.
(^١) هذه من آداب طالب العلم أنه يحرص على قراءة الكتب، خصوصًا المطوّلات على أشياخه، من أجل أن يضبط كيفية نطق الكلمات، وأن يضبط التشكيل والنحو، وكذلك يأمن من الغلط والوهم من إدخال جملة في جملة أخرى، ويسأل عما استشكل لديه من مثل هذا، فكان أهل العلم يفعلون هذا، وكان صحابة النبي ﷺ يفعلون ذلك في القرآن، فيقرءون على النبي ﷺ كتاب الله، وإذا وقع عندهم استشكال جاءوا وقرءوا، وكم من صحابي قد قرأ على النبي ﷺ وبواسطة قراءة هذه المطولات في المجالس القليلة=
[ ١٦٨ ]
وقد كان السالفون يكتبون عند وقوفهم: "بلغ"، حتى لا يفوته شيء عند المعاودة، لاسيما مع طول الزمن (^١).
= والأوقات القليلة يحصل فوائد: منها تحصيل العلوم والمعارف الكثيرة في الزمن القليل، ومنها توسيع مدارك الإنسان، بحيث يعرف أمورًا وأقوالًا مخالفة لما يستقر في نفسه، وبذلك يتمكن من استخراج النوادر والمسائل والفرائد الغربية، وبذلك أيضًا يتكون عند الإنسان قدرة على معرفة مواطن بحث المسائل في كتب أهل العلم، وكذلك تعرف طرائق التأليف وأنواع المؤلفات والمصطلحات التي يستخدمها علماء الشريعة فيها، وينبغي أن تميز ما قرأته وتضع علامة بحيث لا يفوتك شيء من الكتاب المقروء، وهذا هو شأن أهل العلم، والدروس العلمية كانت تجعل على نوعين:
النوع الأول: دروس جرد المطولات يقرءون فيها ولا يتوقفون إلا عند النقطة المشكلة.
والنوع الثاني: قراءة المتون، والمتون للمبتدئين، ويحرص فيها على التفهيم والإفهام.
(^١) قوله: "وقد كان السالفون يكتبون .. "، أي: وللعلماء طرائق متعددة في التفهيم:
أول هذه الطرائق: الطلب من الطلاب أن يبينوا فهمهم من الكتاب، ثم يقوم الشيخ بتصحيحه، مثال هذا: عندنا درس في زاد المستقنع مثلًا، أتينا بجملة أقول: ما معناه يا زيد؟ ما معناه يا عمرو؟ ما معناه يا خالد؟ ثم أصحح وأقول: الصواب في الفهم كذا، وأما فهمك يا فلان بالفهم الفلاني فهو خطأ، وسبب خطئه كذا، فتستقر المعلومات في الأذهان، وكل جملة يسأل عنها أشخاص مختلفون، وهذه أحسن الطرق، وهي التي تستقر في الذهن.
الطريقة الثانية: طريقة المجادلة والمناقشة، بحيث نقسم الطلاب إلى فريقين، وكلما جاءت مسألة نقول: انتخبوا لنا واحدًا مغايرًا لما انتخبتموه في المسائل السابقة، فيشرح، ثم يشرح الثاني، ونقارن بينهما، أو يشرح أحدهما ويصحح له الآخر، ثم يصحح الشيخ =
[ ١٦٩ ]