= لهما، هذه أيضًا طريقة جميلة، ويستقر بها الفهم، وهاتان الطريقتان لهما أصل في السنة، كما في حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ سأل عن شجرة صفتها كذا وصفتها كذا)، هذا سؤال، فالشيخ هو الذي يسأل ويطلب من الطلاب أن يجيبوا.
الطريقة الثالثة: أن يقوم طالبان للمناظرة؛ وتسمى طريقة المناظرة، فيتناظران في المسألة، بحيث هذا يناظر هذا، وننظر: هذا يتبنّى قولًا وهذا يتبنى قولًا آخر، وننظر من يكون معه الغلبة، ثم يعقب الشيخ بما يستقيم.
الطريقة الرابعة: طريقة السرد، بأن يلقي الشيخ الدرس، وهي من أضعف الطرق في إبقاء المعلومات، ولكنها جيدة، يحصِّل الناس منها شيئًا، خصوصًا إذا كان هناك كتابة وتسجيل، وتَنَاقَشَ الطلاب فيها فيما بعد، فإنها تبقى تلك المعلومة حينئذ.
(^١) من آداب طالب العلم حسن السؤال، والسؤال من الأمور التي يرغب فيها، إذا استشكل عليك فاسأل حتى تتقن العلم، ولذلك قيل لابن عباس: أين أصبت هذا العلم؟ قال: (بلسان سؤول وقلب عقول) [¬١].
إذا تقرر هذا فإن السؤال لا بد أن يكون على السنن، بحيث يلتزم فيه الطالب بالأدب، فلا يسأل في غير الفن الذي يتدارسونه، دَرْسُنا هذا في آداب طالب العلم، فلا تنقلونا إلى الفتوى، مثلًا ندرس في باب الصيام، فلا يحق لك أن تنقلنا إلى باب القصاص، أو باب من أبواب الأنكحة.
الثاني: حسن انتقاء الألفاظ، لا تأتي بلفظ نابٍ، ولا لفظ غريب، ولا لفظ غير مرغوب فيه.
_________________
(١) [¬١] الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي ١/ ٥٩٣.
[ ١٧٠ ]
التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع، فَصحَّةُ الفهم للجواب (^١)،
= الثالث: ألا تسأل في شيء قد تكلم فيه الشيخ، فمسألة طرحها الشيخ وهي واضحة وجلية، وحكم قد قرره الشيخ لا يصح بأن تقول بعد ذلك: ما الحكم في كذا، والشيخ قد قرره.
الأمر الرابع: لا بد أن يكون سؤالك سؤالًا صحيحًا، فبعض الناس يسأل بسؤال مركب بصياغة غير صحيحة.
الأمر الخامس: أن يكون سؤالك سؤالًا واقعيًا، وتدعو الحاجة إليه.
الأمر السادس: ألا يكون من التعنت، تريد أن تختبر الشيخ، وقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات) [¬١].
الأمر السابع: أن لا يكون سؤالك على جهة إبطال قول الشيخ، قد تستفهم، لكن لا تحاول إبطال قول الشيخ؛ لأن هذا سوء أدب، وقد يكون سوء فهم منك، وبالتالي لا يكون كلامك صحيحًا، قد تعترض وتقول: كيف الجمع بين كذا وكذا؟ فهذا لا بأس فيه، لكن أن تقول: كلامك غلط أو فيه ما فيه؛ لأن الله يقول كذا، فهذا سوء أدب، وليس من حسن السؤال في شيء.
(^١) وقول المؤلف: "التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع، فصحة الفهم للجواب"، مَرَّات يأخذ بعض الناس جزءًا من الجملة، ولا يلتفت إلى بقيتها، ويفهم فهمًا خاطئًا، وهذا يحصل خصوصًا من عوام الناس، يأخذ ربع جملة، ثم يبدأ ينسب إلى الشيخ ما لم يقله، ولذلك لا يجوز أن ينسب إلى عالم أي مقالة إلا إذا كان الإنسان قد سَمِعَ المقالة كاملة، مرات يأتي العالم، ويتكلم بنقل كلام باطل لا يقول به الشيخ، وإنما أورده ليبطله، ثم يجيب عنه، ويرد عليه، فيأتيك بعض الناس ما سمع إلا المقالة الباطلة؟! فيقول=
_________________
(١) [¬١] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩١٣).
[ ١٧١ ]
وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلان قال لي كذا، أو قال كذا، فإن هذا وَهْنٌ في الأدب (^١)، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا.
وإن كنت لا بد فاعلًا، فكن واضحًا في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تُسَمِّ أحدًا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقيل: إذا جلست إلى عالم، فسل تفقهًا لا تعنتًا" ا. هـ (^٢).
وقال أيضًا: "وللعلم ست مراتب:
أولها: حسن السؤال.
الثانية: حسن الإنصات والاستماع.
= الشيخ فلان يقول كذا، فيكون قد كذب على الشيخ؛ لأن الشيخ نقل هذه الجملة ليرد عليها ويبطلها، وبعض الناس يحضر الشريط، وينقل هذه الجملة، وهذا الجزء، ويقول: اسمع الشيخ يقول كذا، وبالتالي يكون قد كذب عليه، وصدَّ الناس عن سبيل الله؛ لأن إبعاد الناس عن علماء الشريعة، والكلام في أعراضهم، وتشويه سمعتهم، وإنزال مكانتهم يؤدي إلى جعل الناس ينصرفون عن العلم الذي يحملونه.
(^١) قوله: "هذا وهن في الأدب"، كذلك من سوء الأدب، معارضة الأقوال بعضها ببعض، يقول مثلًا: الشيخ الفلاني يقول كذا، فنقول له: لا يصح لك أن تقارن قولي بقوله.
(^٢) قوله: "قال ابن القيم"، سل تفقهًا - يعني من أجل تحصيل الفقه - لا تعنتًا - من أجل إنزال المشقة على العالم.
[ ١٧٢ ]
الثالثة: حسن الفهم.
الرابعة: الحفظ.
الخامسة: التعليم.
السادسة: وهي ثمرته العمل به ومراعاة حدوده. ا. هـ
ثم أخذ في بيانها ببحث مهم.