التحلي بدوام المراقبة الله تعالى في السِّرّ والعلن، سائرًا إلى ربك بين
(^١) ثم أورد المؤلف أثر "هتف العلم بالعمل، فإن أجابه، وإلا ارتحل"، يعني: أن صاحب العلم إذا عَمِلَ به بقي علمُه، وإذا لم يعمل به فإن العلم يزول، ولكن هذا الأثر الذي ذكره المؤلف ضعيف الإسناد، فيه عبد العزيز التميمي، وهو مُتكلَّمٌ فيه، ولذلك لا يصح هذا الأثر، وهو ضعيف جدًّا.
(^٢) هذه الصفة الرابعة من صفات طالب العلم، حلية طالب العلم تقتضي أن الطالب يستشعر أن الله تعالى يُراقِبُهُ، فهو يراقب عمله الظاهر، وهو يراقب نيته ومقصده؛ لأن الله تعالى كما وصف نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وكما قال - سبحانه - في وصف نفسه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، ومن =
[ ٣٠ ]
الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر (^١).
فأقبل على الله بكليتك (^٢)، وليمتلئ قلبك بمحبته (^٣)، ولسانك بذكره،
= استشعر هذه الصفة، وكانت صفةً ملازمةً له، وصل إلى أعلى مراتب الدِّين، وهي صفة الإحسان، فإن صفة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. والمؤمن يتَّصف بهذه الصفة حال وجوده بين أيدي الناس وحال خلوته؛ لأنه يعلم أن الله - جل وعلا - مُطَّلِعٌ عليه في جميع أحواله، ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، كذلك هذه الصفة تجعل المؤمن يستشعر الخوف ويستشعر الرجاء، فهو يخافُ على نفسه أن يُعاقبه الله بسبب ذنوبه، وهو في نفس الوقت يرجو من الله أن يُسبغَ عليه نعمهُ، وأن يرحمه بسبب أن الله كريم عفو رحيم متفضِّل، فهو يخاف بسبب فعل نفسه، ويرجو بسبب رحمة ربه.
(^١) قوله: "فإنهما - يعني الخوف والرجاء - للمسلم كالجناحين للطائر"، وهذا يدلك على خطأ من يقول: العبادة تكون بالمحبة فقط، بل لا بد في العبادة من خوف ورجاء ومحبة.
(^٢) قوله: "فأقبل على الله بكُلِّيَّتك"، يعني: بجميعك، من أقبل على الله فإن الله سيكون له معينًا، ومؤيدًا وناصرًا، من كان مع الله كان الله معه، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
(^٣) قوله: "وليمتلئ قلبك بمحبة الله"، لأن محبة العبد لربه من القربات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وليمتلئ لسانك بذكر الله فإن ذكر الله سبب من أسباب طمأنينة القلب التي يتمكن القلب بها من تحصيل العلم، وذكر الله سبب من أسباب طرد الشياطين التي تلقي الوساوس في قلوب العباد، وذكر الله سبب من أسباب إعانة الله للعبد كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وفي الحديث القدسي=
[ ٣١ ]
والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه (^١).
= يقول الله تعالى: (وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) [¬١]، وهذا الوصف مما يؤكد عليه خصوصًا في زماننا هذا؛ فإن الإكثار من ذكر الله أعظم أسباب تحصيل العلم، وكلما كان الإنسان مكثرًا لذكر الله فتح الله ذهنه للفهم الصحيح، وجعل قلبه يحوي العلم الكثير، وبارك الله في شأنه كله، وكلما أقل الإنسان من ذكر الله، ابتعدت عنه البركة، ولذلك ليكن لطالب العلم أورادٌ يومية، وكلما خَلا بنفسه اشتغل لسانه بذكر الله، وترك هذه الوساوس التي تشغل قلبه في أوقات خلوته.
وإذا تأمل الإنسان الأمر بذكر الله، وجد أن الله لا يأمر بالذكر إلا ويصفه بصفة الكثرة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، بينما وصف المنافقين بأنهم كانوا: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، حينئذ إذا أراد الإنسان أن يبارك له في وقته، وفي شأنه، فليُكثر من ذكر الله، ومن أعظم أنواع الذكر: قراءة القرآن.
(^١) قوله أيضًا: من الأمور التي يتصف بها طالب العلم: "الاستبشار والفرح والسرور بأحكام الله وحكمه ﷾"، فافرح بما أنعم الله عليك، وافرح بإنزال هذا الكتاب، وافرح ببعثة هذا النبي الكريم، وافرح بأن تعلمت شيئًا من أحكام هذه الشريعة، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
هذا شيء من الصفات التي ذكرها المؤلف في حلية طالب العلم مما يتعلق بصفة طالب العلم في نفسه.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، والترمذي (٣٦٠٣).
[ ٣٢ ]