لن تكون طالب علم متقنًا متفننًا - حتى يلج الجمل في سم الخياط - ما لم تستكمل أدوات ذلك الفن، ففي الفقه بين الفقه وأصوله، وفي الحديث بين علمي الرواية والدارية … وهكذا، وإلا فلا تتعن.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
= أولًا: يراجع حفظه للقرآن، ويتأمل فهم القرآن.
ثانيًا: يسرد كتب السنة، ويحاول ضبط ما يستطيع ضبطه منها.
ولا يصح أن تكتفي بأحدهما عن الآخر.
والله - جل وعلا - قد أمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، آيات الله يعني: القرآن، والحكمة يعني السنة، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] يعني: الكتاب والسنة.
(^١) قوله: "استكمال أدوات كل فن"، هذا الأدب اشتمل على أمرين:
الأمر الأول: معرفة أدوات العلم قبل الدخول فيه، لو جاءنا إنسان، وبدأ يدرس النحو، وأخذ المرفوعات والمنصوبات، لكنه أصلًا لا يعرف، ولا يعلم أن النحو يتعلق بأواخر الكلمات، ليس لديه فهم المصطلحات في هذا العلم، ولا يعرف المنشأ الذي نشأ منه هذا العلم، فلن يُنْقِن هذا العلم، وهكذا في بقية الفنون، عندما. يريد الإنسان فهم الكتاب والسنة، واستخراج الأحكام منها، فإنه إذا لم يعرف القواعد الأصولية فلن يتمكن من ذلك، وحينئذ إذا أرد أن يحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا لا بد أن يعرف قواعد المصطلح، ويكون=
[ ١٧٧ ]
فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علمًا حتى يُتْقِنَهُ (^١).
* * *
= عنده قدرة على معرفة أحوال الرواة، فإذا لم يكن محيطًا بالوسيلة فلن يتمكن من الوصول إلى الغاية، وبالتالي لا بد من معرفة الأدوات قبل الولوج في تعلم العلم.
(^١) قوله: "فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علمًا حتى يتقنه"، هذا هو الأمر الثاني مما ذكره المؤلف هنا: ألا يَتْرُك العلم حتى يتقنه، إذا بدأ الطالب في علم ثم مل وانتقل إلى غيره، وأهمل العلم الأول، فحينئذ قد أضاع وقته، ومن أخذ كتابًا وقرأ ربعه أو نصفه، ثم انتقل إلى غيره، فلا يتمكن أن يقول: قرأت الكتاب ولا يتمكن أن يقول: هذه المعلومة ليست في الكتاب؛ لأنه لم يُحِط بالكتاب.
[ ١٧٨ ]