التحلي بـ (عزة العلماء): صيانة العلم وتعظيمه، وحماية جَنَاب عِزِّه وشرَفِه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم (^٢).
= العلم فإنه سينساه عن قرب، ولن يبارك له في علمه، وفي عصرنا الحاضر استجدت وسائل جديدة، فيحسن استعمالها جميعًا في نشر العلم والدعوة إلى الله ﷿، بعض الناس يقولون: الناس قد فسدوا وتجاهلوا العلم، فنقول: هذه تجعلك تحرص على كثرة التعليم، وتبذل الأسباب فيه، فإذا فسد الناس، وكثر الجهل فيهم، فلا بد أن يقوم العلماء وطلبة العلم بالتعليم، وقد قال النبي ﷺ: (ما بال أقوام لا يُعلمون جيرانهم ولا يُفقهونهم ولا يُفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟! وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطّنون) [¬١]، والفُسَّاق يريدون من العلماء أن يسكتوا ولا ينشروا علمًا، ولا يوجهوا الناس وينصحوهم؛ ليتمكنوا من مرادهم في فسقهم، لكن ينبغي ألا نحقق مطلوبهم، وأن نحتسب للأجر في بث العلم.
(^١) قوله: "عزة العلماء"، هو الأدب السادس والأربعون، بحيث لا يبذل العلماء علمهم فيما لا يناسبه من المواطن والمحال، وبحيث لا يكون العلماء ممن يبذل علمه في تحقيق أهواء الناس وأغراضهم المخالفة للشريعة.
(^٢) قوله: "التحلي بعزَّة العلماء"، وفسره بـ "صيانة العلم وتعظيمه وحماية جناب عزه".
_________________
(١) [¬١] أخرجه ابن راهوية والبخاري في الوحدان، وابن السكن وابن منده وإسحاق وأبو نعيم، قال ابن السكن: "إسناده صالح" كما في كنز العمال ١٨/ ٤٥٨ و٣٢/ ٢٩٠، وانظر: تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ١/ ٧٠.
[ ١٨١ ]
وعليه فاحذر أن يتمَنْدل بك الكبراء (^١)، أو يمتطيك السفهاء (^٢)، فَتُلاين في فتوى، أو قضاء، أو بحث، أو خطاب.
ولا تسعَ به إلى أهل الدنيا، ولا تقف به على أعتابهم، ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره (^٣).
(^١) قوله: "وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء"، أي: أن يجعلوك منديلًا يمسحون به أيديهم؛ لأنك تذل لهم، ومن ثم يتوصلون بك إلى تحقيق أغراضهم.
(^٢) قوله: "يمتطيك السفهاء"، يعني: يركبوك ويجعلوك مطية لهم، ومن ثم تُلاين لهم في فتوى أو في قضاء أو في بحث أو في خطاب، ومما يترتب على هذا أن يعز طالب العلم نفسه، فلا يذهب إلى مجالس أهل الدنيا إلا إذا دعوه ليبلغ حقه، وأما أن يذهب إليهم ابتداء فليس هذا مما يحسن فعله من طالب العلم.
(^٣) قوله: "ولا تَقِفْ به على اعتابهم"، وكثير من الأئمة يقول بأن مجالس العلم يؤتى إليها، ولا يصح أن تُنقل مجالس العلم إلى مواطن أهل الدنيا، فيقال: إذا أردت التعلم فتَعَال، والإمام أحمد وغيره من الأئمة طلبهم السلاطين في وقتهم إلى أن ينقلوا حديثهم في مواطن السلطان، فأبوا، وقال له الواثق [¬١]: أريد أن تعلم فلانًا وفلانًا من أبنائي. قال: فليحضروا إلينا وليتعلموا كما يتعلّم غيرهم.
وجاء هشام بن عبد الملك فطاف بالبيت، وجاءت له مسألة، فجاء إلى عطاء، وكان يصلي، فما نقص من صلاته شيئًا، ثم بعد ذلك أجاب الناس حتى جاء الدور إلى هشام بن عبد الملك فأجابه عن مسألته، ولا زال العلماء في الزمان الأول يأتيهم الولاة ويأتيهم الأمراء، ويسألونهم في مسائلهم في بيوت العلماء، فالعلم يؤتى إليه.
_________________
(١) [¬١] سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٧٦.
[ ١٨٢ ]
ومَتِّع بَصَرَكَ وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا تَرَ فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لاسيما من جمع مثلًا في هذا، مثل كتاب "من أخلاق العلماء" لمحمد سلميان رحمه الله تعالى وكتاب "الإسلام بين العلماء والحكام" لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، وكتاب "مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لفاروق السامرائي" (^١).
وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب "عزة العلماء" يسر الله إتمامه وطبعه.
وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني علي بن عبد العزيز (م سنة ٣٩٢ هـ) رحمه الله تعالى، كما نجدها عند عدد من مترجميه، ومطلعها (^٢):
(^١) قوله: "ومتع بصرك وبصيرتك .. " ذكر المؤلف نماذج من كتب أهل العلم التي ذكرت تراجم وسيرًا لأئمة مضوا حموا أنفسهم من إذلال علمهم بمثل هؤلاء، إلا أن بعض أهل العلم خص من هذا مجلس الإمام الأعظم، فالعلماء يجب عليهم أن يبلغوا ما لديهم من علم إليه، ومثل هذا يختلف باختلاف اجتهاد المجتهدين.
كما أن ما سبق في نقل العلم والتعلم، أما في مجال الدعوة فإنه يحسن الذهاب للناس في مجالسهم من أجل الدعوة كما كان النبي ﷺ يغشى المجالس في المدينة وفي مكة ومنى من أجلها.
(^٢) وذكر المؤلف قصيدة الجرجاني، وفيها شيء من هذا المعنى، وقد جاء في مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) [¬١]، وهذا له أسانيد متعددة يُقوِّي بعضها بعضًا.
_________________
(١) [¬١] أخرجه أحمد في المسند (٨٨٣٦)، والطبراني في المعجم الكبير (١١٠٣٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠٢٥٥).
[ ١٨٣ ]
يقولون لي فيك انقباض وإنما … رأوا رجلًا عن موضع الذل أحْجَما
أرى الناس من داناهم هان عندهم … ومَنْ أَكْرَمَتْهُ عزة النفس أُكْرِمَا
ولو أنَّ أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظَّموه في النفوس لَعُظْمَا
(لعظما) بفتح الظاء المعجمة المشالة.