إن بلغت منصبًا، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء .. وهكذا، فأعْطِ العلم قدره وحَظَّهُ من العمم به، وإنزاله منزلته.
واحذر مسلَكَ مَنْ لا يرجون الله وقارًا، الذين يجعلون الأساس (حفظ المنصب)، فيطوون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة.
(^١) قوله: "صيانة العلم"، هذا أدب آخر من آداب طالب العلم، وهو أن المرء إذا كان في منصب أو ولاية، فلا ينبغي أن ينقطع عن طلب العلم أو إقرائه وتدريسه ليبقى العلم عنده؛ وذلك أنه بالتعليم والتدريس يبقى هذا العلم الذي وصل به الإنسان إلى هذه الولاية، وبذلك يُرْضِي ربه - جل وعلا -، ويتواصل الناس بالعلم وتعليمه وإقرائه، ويأخذ الخلف عن السلف، ويبقى العلم ويستمر في الأمة.
[ ١٨٤ ]
فالزم - رحمك الله - المحافظة على قيمتك بحفظ دينك وعلمك، وشرف نفسك، بحكمة دراية وحسن سياسة: "احفظ الله يحفظك"، "احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة".
وإن أصبحت عاطلًا من قلادة الولاية - وهذا سبيلك ولو بعد حين - فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمَّة ومنقصة.
ومن العجيب أن بعض من حرم قصدًا كبيرًا من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد (التقاعد)، فهذا وإن كان توبته شرعية، لكن دينه ودين العجائز سواء؛ إذ لا يتعدى نفعه، أما وقت ولايته - حال الحاجة إلى تعدي نفعه - فتجده من أعظم الناس فجورًا وضررًا، أو بارد القلب أخرس اللسان عن الحق. فنعوذ بالله من الخذلان.
= وأما إذا انقطع الإنسان عن التعلُّم والتعليم بسبب انشغاله بالولاية، فهذا يؤدي إلى جعله من أهل الجهالة؛ لأنه سينسي ذلك العلم الذي تعلمه، وكذلك ليعلم أن ترك المنصب لا يعني منقصة في صاحبه، وبالتالي ينبغي أن يتعوّد أصحاب المناصب على الاستمرار في العلم، وأن يوطدوا أنفسهم أنهم سيتركون مناصبهم عما قريب، ولذلك عليهم أن يحرصوا على تقوى الله حال ولايتهم، تقربًا لله - جل وعلا -، وكذلك إذا عُزِل الإنسان من منصبه لا ينبغي بطلبة العلم أن يقاطعوه، بحيث إذا كان في المنصب واصلوه ودرسُوا عليه، وإذا انقطع عن المنصب قاطعوه، هذا ليس من شأن أهل العلم، بل إذا ترك منصبه فإن هذا عزل محمدة، ومن ثمّ ينبغي بطلبة العلم أن يطلبوا عليه العلم؛ لأنه تفرَّغ للإقراء حينئذ، ولا ينقص ابتعاده عن قلادة الولاية من منزلته العلمية.
[ ١٨٥ ]