(^١) ذكر المؤلف رحمة الله تعالى أدبًا خامسًا من آداب طالب العلم، وهو خفض الجناح ونبذ الخيلاء، والكبرياء، والمراد بهذا التواضع، فخفض الجناح، بأن يكون المرء يُحْسِنُ التعامل، ذليلًا في تعامله مع غيره، بحيث لا يري لنفسه فضلًا، ولا مكانة، ولا يرى أنه أعلى من غيره، هذا هو خفض الجناح، بحيث يكون بمثابة من يرى أنه والناس بمرتبة واحدة، ولا يري له فضلًا على أحد من الناس، ولا يرى أنه أرفع أو أعلى من أي أحد من الخلق مهما كانت منزلة من يقابله.
وأما الخيلاء والكبرياء فالمراد بها: رؤية المرء للنفس حتى يُخيّل للإنسان أنه أعلى من غيره، وأرفع درجة منهم، وأما الكبرياء فقد فسرها النبي ﷺ بأنها جحد الحق واحتقار الخَلق.
إذا تقرر هذا فإن الكِبْر والبَطرَ من الأمور المحرَّمة في الشريعة، يقول النبي ﷺ: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ على أحدٍ، ولا يفخر أحدٌ على أحدٍ) [¬١]، ويقول النبي ﷺ: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبرٍ)، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغَمْطُ الناس) [¬٢].
بطر الحق: يعني جحده، وغمط الناس: يعني احتقارهم.
والنصوص الواردة في النهي عن الخيلاء والكبرياء كثيرة، جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) [¬٣].
_________________
(١) [¬١] أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأبو داود (٤٨٩٥)، وابن ماجه (٤١٧٩). [¬٢] أخرجه مسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩٢). [¬٣] أخرجه البخاري (٥٧٨٤)، والترمذي (١٧٣١)، وأبو داود (٤٠٨٥).
[ ٣٣ ]
تحل بآداب النفس، من العفاف (^١)، والحلم (^٢)، والصبر (^٣)، والتواضع للحق (^٤)، وسكون الطائر، من الوقار (^٥) والرزانة (^٦)، وخفض الجناح (^٧)، متحملًا ذلّ التعلم لعزة العلم، ذليلًا للحق.
(^١) فقول المؤلف: "تحل بآداب النفس من العفاف"، المراد بالعفاف: ترفع النفس عما لا يليق بها، فابتعادها عن الأمور السيئة والفواحش، وترفعها عنها يعد عفافًا.
(^٢) قوله: "الحلم فهو السكينة والأناة، بحيث يصبر الإنسان على أذى الآخرين، ويكون حسن التعامل معهم.
(^٣) قوله: "الصبر" فيراد به ضبط النفس مع ورود أذية الآخرين، كما يراد به الصبر في طاعة الله، والصبر عن معاصي الله.
(^٤) قوله: "والتواضع للحق"؛ بحيث إذا جاءك الحق من أي أحد قبلته وعملت به مهما كان قائله.
(^٥) قوله "وسكون الطائر من الوقار"؛ بحيث لا يكون الإنسان خفيفًا ولا سريعًا، وإنما تظهر عليه السكينة والهدوء.
(^٦) قوله: "والرزانة"؛ بحيث لا يتصرف الإنسان تصرفات فيها تسرع، أو فيها دلالة على طيش.
(^٧) قوله: "وخفض الجناح"، يعني: التواضع مع الآخرين، "متحملًا ذل التعلم" من أجل أن تنال عزة العلم "ذليلًا للحق".
[ ٣٤ ]
وعليه فاحذر نواقض هذه الآداب (^١)، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدًا على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والخيلاء، فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه (^٢) عند السلف مبلغًا.
(^١) قوله: واحذر نواقض هذه "الآداب"، فإن المرء يكسب بهذه الآداب الأجر والثواب متى نوى التقرب بها الله، ويكسب أيضًا محبة الناس له، لكن إذا اتصف الإنسان بضد هذه الآداب، فإنه:
أولًا: يأتم.
وثانيًا: يمقته الله.
وثالثًا: يحتقره الناس، ويعلمون أن في عقله مرضًا وعلة، ومن ثم يجتنبونه.
ورابعًا: يكون سببًا لحرمان العلم والعمل.
(^٢) قوله: "وقد بلغ من شدَّة التَّوقِّي مِنْهُ"، يعني بلغ من شدة السلف للحذر من ذلك مبالغ عالية، من ذلك أن عمرو بن الأسود يخشى إذا أطلق يديه، وبدأ يرسلهما وهو يمشي، أن تتحرك يمينًا وشمالًا وأن تتقدم، ثم بعد ذلك مظهرًا من مظاهر الخيلاء، ولذلك كان يمسك شماله بيمينه.
وعلى كلٍّ، هذا تطبيق للنصوص السابقة، والنصوص السابقة دلت على التحذير من الكبر والخيلاء، ورغَّبت في ضدهما من خفض الجناح والوقار والسكينة.
وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) [¬١].
وأما تطبيقات هذا فإنه يختلف ما بين زمان وآخر، قد نرى في زمن من الأزمان أن هذا التصرف فيه خيلاء وكبرياء، لكنه يكون في زمان آخر تصرفًا معتادًا لا يكون من الخيلاء=
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٦٣٥)، ومسلم (٦٠٣).
[ ٣٥ ]
ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى: "أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله، فسئل عن ذلك؟ فقال: مخافة أن تنافق يدي".
قلت: يمسكها خوفًا من أن يخطر بيده في مشيته، فإن ذلك من الخيلاء. ا. هـ.
وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى.
واحذر داء الجبابرة (الكِبْر)، فإن الكِبرَ والحرص (^١) والحسد (^٢) أول ذنب
= في شيء، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بأنواع الألبسة، فقد نلبس لباسًا في عصرنا الحاضر لكن هذا اللباس ليس معتادًا في زمان آخر، عندك مثلًا: كان أهل الزمان الأول يسيرون بهذه البشوت، يلبسها الصغير والكبير، ويلبسها العامي، ولا يتركها أحد، ففي ذلك الزمان لا يعد لبسها من الخيلاء في شيء، لكن في زماننا هذا اقتصر لبسها على المناسبات العامة، أو على العلماء ليعرفهم الناس، فحينئذٍ ويكون لبسها من غيرهم في غير المناسبات نوع خيلاء.
(^١) قوله: "واحذر داء الجبابرة وهو الكِبر، فإن الكِبرَ والحرص"، الحرص: الإسراع بالنفس من أجل طمع.
(^٢) قوله: "والحسد"، المراد بالحسد تمني زوال النعم التي أنعمها الله على الغير، هذه الأمور من الحسد والكبر أول ذنب عصى به إبليس ربه، هكذا يقرره طائفة من العلماء.
لأن آدم حسده إبليس، وتكبَّر إبليس، حيث قال: كيف أسجد لمن خلقت طينا؟ من كان مخلوقًا من النار كيف يسجد لمخلوق من الطين؟ وقول المؤلف: فتطاولك من أمثلة الكبرياء المذمومة شرعًا"، التطاول على المعلم كبرياء، المراد بالتطاول: الترفع عليه، ومضادة كلامه، ورفع الصوت عليه ونحو ذلك، هذا يُعَدُّ من الكبرياء.
[ ٣٦ ]
عصي الله به، فتطاولك على معلمك كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء (^١)، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان.
العلم حرب للمكان المتعالي … كالسيل حرب للمكان العالي
فالزم - رحمك الله - اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك (^٢).
(^١) قوله ومن أمثلته: "استنكافُك عمن يفيدك ممن هو دونك"، استنكافك يعني ترفعك عمن يأتيك بفائدة، إذا كان هذا ممن هو دونك فإنه من الكبرياء، فينبغي للإنسان أن يقبل الفائدة، ولو كانت من أصغر صغير، ولا يستنكف عن ذلك.
صورة أخرى من صور التكبر: التقصير عن العمل بالعلم فإنه من مظاهر التكبر، لكن عندما يجد الإنسان مجتمعًا من المجتمعات لا يؤدي سنة كان يعتادها، فيتركها من أجلهم هذا نفاق.
ثم ذكر المؤلف هذا البيت:
العلم حرب للفتى المتعالي … كالسيل حرب للمكان العالي
المتعالي يعني: المتكبر.
كالسيل حرب للمكان العالي، فالمكان العالي لا يصله السيل، إنما السيل يجري في مكان منخفض، وهكذا العلم، العلم لا يناله - كما ورد عن بعض السلف - مستح ولا متكبر.
(^٢) قوله: "فالزم اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك"، يعني: التنقص منها.
وإذا جاءتك نفسك وخيَّلت إليك أنك على منزلة عالية، وأنك قد استفدت علمًا كثيرًا فكذِّبها، وقل: يا نفس هذا ليس من صفاتك، لم تستفيدي من العلم إلا الشيء القليل، وانظر إلى قصة موسى ﵇ مع الخضر، لما سئل موسى: (أيُّ الناس أعلمُ؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه، إذ لم يَرُدُّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن عبدًا من عبادي بمجمع=
[ ٣٧ ]
وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء (^١) أو غطرسة أو حب ظهور أو عجب … ونحو ذلك آفات من العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علمًا أو رفعة في ولاية، فالزم ذلك تحرز سعادة عظمى، ومقامًا يغبطك عليه الناس.
وعن عبد الله ابن الإمام الحجة الرواية في الكتب الستة بكر بن عبد الله المزني رحمهما الله تعالى، قال: "سمعت إنسانًا يحدِّث عن أبي، أنه كان واقفًا بعرفة فرَقَّ فقال: لولا أني فيهم، لقلت: قد غفر لهم" (^٢)، خَرَّجَه الذهبي ثم
= البحرين، هو أعلم منك. قال يا رب، وكيف به؟ [¬١]، فسأله الرحلة إليه، لماذا؟ لأنه سيعرف حقيقة نفسه بعد ذلك، وطلب أن يذهب إلى من هو أعلم منه، وتعرفون من قصتهم في سورة الكهف ما تعرفون.
(^١) قوله: "ومراغمة النفس عند الاستشراف لكبرياء"، إذا تطلعت نفسك إلى التكبر على الخلق، قم بإمساك لجامها، وقدها، ولا تجعلها تستشرف الكبرياء، أو الغطرسة، أو حب الظهور، أو الإعجاب بالنفس، فكل هذا من آفات النفس التي يجب علينا أن نروض النفس من أجل مضادتها.
قال المؤلف في بيان الأدب الخامس من آداب طالب العلم: خفض الجناح ونبذ الكبرياء، والخيلاء، قال من آفات النفس الكبرياء، والغطرسة، وحب الظهور والإعجاب بالنفس، فإن هذه الآفات تقتل النفس، ولا تمكنها من طلب العلم، وكلما ازددت علمًا أو رفعة في ولاية فاحذر من التكبر، والزم التواضع، تحرز بذلك السعادة العظمى، فإن المتكبر كالبعيد يراه الناس صغيرًا ويراهم صغارًا.
(^٢) ثم أورد رواية عن بكر بن عبد الله المزني قال ابنه: "كان أبي واقفًا بعرفة فرَقّ، أي رقَّت نفسُه، وبدأت العَبرة تخرج من عينه، ثم بعد ذلك أزرى بنفسه وتنقصها، فقال: =
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).
[ ٣٨ ]
قال: "قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يُزْري عن نفسه ويَهْضمها" (^١). ا. هـ.