التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد: "الزهد بالحرام، والابتعاد عن حِمَاه، بالكف عن المشتبهات (^٣) وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس".
ويؤثر عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: "لو أوصى إنسان لأعقل الناس، صرف إلى الزُّهَّاد" (^٤).
= أخشى أن لا يُغفر لهم بسببي". بكر بن عبد الله المزني إمام، عالم، حجة، قد بثَّ من العلم ما بثَّ، ومع ذلك يخشى أن لا يُقبل من الحجيج ولا يُغفر لهم بسببه هو.
(^١) قال الإمام الذهبي: "كذلك ينبغي للعبد أن يُزري على نفسه"، أي: أن ينتقص منها، وأن يهضمها ويأخذ بعض ما يكون لها؛ من أجل أن يكون ذلك سببًا لقبول الله له، كلما تواضع العبد الله كان ذلك سببًا لرفعة العبد عند الله - جل وعلا -، وكلما ترك الإنسان الكبرياء، والعُجب بالنفس كان أدعى لقبول الأعمال، وأدعى إلى معية الله، وأدعى لأن تكون معية الله مع العبد.
(^٢) الأدب السادس من آداب طالب العلم، وهو القناعة والزهد، أما القناعة فالمراد بها: عدم استشراف النفس لما لم يُعطِه الله للعبد، بحيث يكون راضيًا بما رزقه الله - جل وعلا - هذه هي القناعة. أما الزهد فالمراد به: ترك ما لا ينفع في الآخرة.
(^٣) قوله: "الزهد بالحرام والابتعاد عن حماه بالكف عن المشتبهات"، الزهد بالحرام هذا يقول له الفقهاء: الورع، فالمراد بالورع هو ترك الحرام، والمراد بالزهد ترك ما لا ينفع.
(^٤) قوله: "قال الإمام الشافعي: لو أوصى إنسانٌ لأعقل الناس، فإنه يصرف إلى الزهاد"، لماذا؟ لأنهم انتفعوا بما لديهم ولم يقدموا على ما لا ينفعهم، وليس المراد بالزهد ترك الدنيا، وإنما المراد بالزهد استعمال الدنيا قلت أو كثرت فيما ينفع العبد في آخرته، =
[ ٣٩ ]
وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنف كتابًا في الزهد؟ قال: "قد صنفت كتابًا في البيوع" (^١).
يعني: "الزاهد من يتحرر عن الشبهات (^٢) والمكروهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف". ا. هـ.
= فالمراد بالزهد: الاقتصار على ما ينفع، ولذلك نجد مثلًا سليمان بن داود وأباه قد آتاهما الله من الدنيا ما آتاهما، ولا يعد هذا مناقضًا للزهد، وإنما من جاءته الدنيا واستعملها فيما ينفعه في الآخرة فإنه يعد زاهدًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، فدل هذا على أن الأموال التي يعطيها الله - جل وعلا - للعبد إذا استعملها في طاعة الله - جل وعلا - فإنه حينئذ يكون من الزهاد، ولو كان عنده من الأموال الشيء الكثير، وأن الله - جل وعلا - إذا لم يجعل العبد يصرف ما أعطاه الله له في مراضيه فإنه ليس بزاهد، ولو لم يكن عنده من الدنيا إلا الشيء القليل.
(^١) قوله: "وعن محمد بن الحسن الشيباني لما قيل له: ألا تصنِّف كتابًا في الزهد؟ قال: صنفت كتابًا في البيوع"، لأن من كان يترك من البيوع ما لا ينفعه فإنه حينئذ سيكون زاهدًا.
(^٢) قوله: "الزاهد من يتحرَّز عن الشبهات"، والشبهات تشمل صورًا:
الصورة الأولى: إذا كان هناك مسائل يختلف أهل العلم فيها وللخلاف محله، فحينئذ هذه المسائل من الشبهات.
الصورة الثانية: مسائل فيها أدلة متعارضة، ولم يعرف الفقيه كيفية الجمع بينها، فهذه من المسائل المشتبهات.
الصورة الثالثة: أن يكون هناك مسائل لا ندري هل تدخل في تطبيق الحرام أو في تطبيق الحلال، فحينئذٍ هذه المسائل من المشتبهات، والمشتبهات لها عشر صور، هذه أبرز صور المشتبهات.
[ ٤٠ ]
وعليه، فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه (^١)، بحيث يصون نفسه ومن يعول (^٢)، ولا يرد مواطن الذلة والهون (^٣).
وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفى في ١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ رحمه الله تعالى متقلِّلًا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: "لقد جئت من البلاد - شنقيط - ومعي كنز قلَّ أن يوجد عند أحد وهو (القناعة)، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية". فرحمه الله رحمة واسعة آمين (^٤).
(^١) قوله: "وعليه فليكن معتدلًا في معاشه بما لا يشينه"، يعني: ما يكون سببًا لورود ذم أو ما لا يحمد عليه، بحيث لا يثني عليه بسوء.
(^٢) قوله: "بحيث يَصُون نفسه ومن يعول"، فهو يقتات ويعمل، ولكن لا يكون ذلك العمل من المشتبهات، أو مما يخالف المروءات.
(^٣) قوله: "ولا يرد مواطن الذلة والهون"، يعني: المَحَال التي يكون ورودها أو فعلها سببًا من أسباب اعتقاد الناس أن هذا يخالف المروءة، فالصنائع أو الأعمال التي تخالف المروءات عند الناس يجتنبها طالب العلم.
(^٤) ثم ذكر المؤلف عن شيخه الشيخ الأمين الشنقيطي، وهو من علماء الأمة فضلًا وعلمًا، ومن سمع أحاديثه أو أشرطته ودروسه، علم ما آتاه الله - جل وعلا - من العلم، وتفسيره أضواء البيان من الكتب النادرة العظيمة المشتملة على علم كثير، مع كونه لا يتجاوز تفسير الآيات التي يفسر القرآن فيها بالقرآن، أو يستنبط منها أحكام فقهية، والشيخ الشنقيطي نموذج للزاهدين، فالزهد عظيم الشأن ليس في حال من أعرضت عنه الدنيا، ولكن الزهد فيمن أقبلت عليه الدنيا.
إذا تقرر هذا فإن من آتاه الله المال الكثير فاستعمله في طاعة الله فهذا زاهد.
[ ٤١ ]