أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام والسلام.
فيا طالب العلم، بارك الله فيك وفي علمك؛ اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف.
(^١) قوله: "لا طائفية ولا حزبية يقعد الولاء والبراء عليها"، أي: نحذر كل الحذر من تفريق أهل الإسلام، ونحن أمة واحدة، من جاء يريد أن يفرق كلمتنا فلا يجوز أن نستجيب له، فالواجب إسكاته، من دعا إلى طائفة أو إلى حزب أو إلى جماعة؛ ليكون الولاء والبراء عليها ينبغي إسكاته، وعدم الالتفات إليه، مهما كانت هذه الطائفة، ينبغي أن يكون ولاؤنا الله، ليس من أجل فلان، وإنما لله ولرسوله ﷺ، وبالتالي هذه الجماعات وهذه الحزبيات لا يجوز للإنسان أن ينضم إليها، أو أن يكون واحدًا منها، أو أن يعاهد ويبايع فيها، أو أن يكون مناصرًا لها، وإنما النصرة تكون الله ولرسوله ولأهل الإيمان، وأما من جاءنا ليكون الولاء والبراء على أمور مغايرة لذلك، حينئذ لا يصح منا أن ننضوي تحت لوائها، وكم من صحاب بدعة ومن صاحب تحزبات يُحاوِلُ أن يضم الناس إليه من أجل أن يفاخر بهم، وأن يذكر أن جماعته وحزبه وطريقته هي الأقوى، وأن أتباعه الأكثر، وبالتالي فكل من أرادنا أن نجتمع على غير منهاج شرعي، فلن نقبل منه، وكذلك بعض الناس يظهر جزءًا من أجزاء الشريعة من أجل أن يَضُمَّ الناس إليه يقول: تعالوا نحن أهل الصلاة، فهل معنى هذا أن نترك بقية الأحكام إن كان يريد منا أن نترك بقية أركان الشريعة فلا يجوز أن نقبل ذلك منه، وكذلك إذا جاءنا يريد منا أن يكون العمل والاجتماع على شيء لم تجيء به الشريعة، فلا يجوز بنا أن نستجيب له.
[ ١٩٧ ]
ولا تكن خَرَّاجًا ولاجًا في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجًا، والمسلمون جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام.
وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهابًا بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغالية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها.
فكن طالب علم على الجادَّة؛ تَقْفُو الأثر، وتتبع السنن، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفًا لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم.
وإن الحزبيَّة ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغَوَاشِي.
فاحذر - رحمك الله - أحزابًا وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب؛ تجمع الماء كدرًا، وتُفَرِّقُهُ هَدرًا، إلا من رحمه ربك، فصار على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة أهل العبودية: "العلامة الثانية: قوله: (ولم يُنسبوا إلى اسم)؛ أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلامًا لأهل الطريق.
وأيضًا فإنهم لم يتَقيَّدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيُعْرَفُون به دون غيره من الأعمال؛ فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة.
وأما العبودية المطلقة؛ فلا يُعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزِيٍّ،
[ ١٩٨ ]
ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال: الرسول. وعن طريقه: قال: الاتباع. وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة. وعن مقصده ومطلبه؟ قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وعن رباطه وعن خانكاه؟ (^١) قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]، وعن نسبه قال:
أبي الإسلامُ لا أَبَ لي سِوَاهُ … إذا افْتَخَرُوا بقيسٍ أو تميمِ
وعن مأكله ومشربه؟ قال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها".
واحسرتاه تقضى العُمْر وانْصَرَمَت … ساعاته بين ذُلّ العَجْز والكسل
والقوم قد أخذوا دَرْبَ النَّجَاةِ وقد … ساروا إلى المطلب الأعلى على مَهَلِ
ثم قال: قوله: "أولئك ذخائر الله حيث كانوا"؛ ذخائر الملك ما يخبأ عنده ويَذْخره لمهماته، ولا يبذله لكل أحد، وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته. وهؤلاء؛ لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم،
(^١) قوله: "وعن خانكاه و(الرباط) "، هذه مواطن تجعلها بعض الطوائف محالًا للعبادة أو للتقرب لله، وحينئذ نحن لا نلتفت إلى هذا، ونذهب إلى بيوت الله، إلى المساجد.
كذلك لا ينبغي أن يكون ولاؤنا وتحزبنا لزيد من الناس مهما كانت منزلته، إنما نتحزب لكتاب الله ولسنة نبيه ﷺ.
[ ١٩٩ ]
غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة.
وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات، فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة.
هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.
والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله، زهم - إلا الواحد بعد الواحد - المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود.
وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوي "السنة".
يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها.
فمن الناس من يتقيَّد بلباس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معَيَّنَة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره، وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه.
فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه، قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب، ويَعُدُّ العلم قاطعًا له عن الطريق، فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عَدَّ ذلك فضولًا وشرًا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدّوه غيرًا عليهم، فهولاء أبعد الناس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارة والله أعلم" ا. هـ.
* * *
[ ٢٠٠ ]