التحلي بـ (رونق العلم) حسن السمت (^١)، والهدي الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة (^٢)، بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.
وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" (^٣).
(^١) هذا هو الأدب السابع من آداب طالب العلم، بحيث يكون ظاهر طالب العلم موافقًا للعلم الذي يطلبه، بحيث يكون حَسَنَ السمت، ذكرنا فيما سبق أن السمت هو الصورة الظاهرة، بحيث تكون أخلاقه الظاهرة وكلامه وملبسه دالًا على كونه من طلبة العلم، فيكون هديه الظاهر موافقًا لهدي أهل الصلاح، ومن ثم يلازم السكينة؛ وهي طمأنينة النفس والوقار، بحيث يكون ظاهره غير منبئٍ عن خلاف هذه، وكذلك يتَّصفُ بالخشوع، فليس متسرعًا ولا متبادرًا لما لا ينبغي، وليس متكلِّمًا بما لا يُناسب حاله، وكذلك يتَّصِفُ بصفة التواضع، ويتباعد عن التكبر.
(^٢) قوله: "ولزوم المحجة"، المراد بالمحجة: وسط الطريق الموصل إلى المراد، بحيث لا يكون ممن يميلُ جهة اليمين ولا جهة الشمال، ويَعمُر ظاهره وباطنه بعبادة الله تعالى، وذكره، والتخلي عن نواقض ذلك.
(^٣) قوله: "قال ابن سيرين: (كان يتعلمون الهدي - وهو الصفة الظاهرة كما يتعلمون العلم"، بحيث تكون ظواهرهم موافقة لبواطنهم، ظواهرهم متحلية بالأوصاف الشرعية، والأخلاق المرعية.
[ ٤٢ ]
وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: "حدِّثنا، ولا تحدِّثنا عن مُتَمَاوت ولا طعَّان" (^١).
رواهما الخطيب في الجامع وقال: "يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس بالسخف، والضحك والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حدِّ الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه، وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة" (^٢). ا. هـ.
(^١) قوله: "قال رجاء بن حيوة لرجل: (حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعَّان)، والمتماوت هو من كان متصفًا بصفة موت القلب، بأن يكون باطنه غير معمور لله - جل وعلا، "ولا طعان"، وهو الذي يبذل لسانه في القدح في الآخرين وسبهم.
(^٢) قوله: "قال الخطيب: (يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب ..) "، ما المراد باللعب؟ العمل الذي ليس له ثمرة، ومن أمثلته: هذه الألعاب التي في زماننا وعصرنا، سواء كانت في الإنترنت أو في جهاز الهاتف، أو في غيرهما.
كذلك يتجنب العبث، مثل أن يحرك يديه حركات لا فائدة منها، كذلك يتجنب التَّبذُل في المجالس، والتبذل في المجالس: الحديث في كل ما يقصد الناس الحديث فيه، بحيث لا يوجد له ضوابط في حديثه، ومن ثم تجده يتكلم بالسُّخف والمراد بالسخف الأمور التوافه، التي لا قيمة لها ولا منزلة، أو يتكلم بأمور مضحكة التي ينتج عنها قهقهة، وكثرة التندُّر، والتنكيت على الآخرين، وكذلك على طالب الحديث أن يتجنب إدمان المزاح والإكثار منه، لو مزح مرة جاز ولم يناف ذلك آداب طالب العلم، لكن أن يكون ذلك دأبه في كل حديثه وفي كل أموره، فهذا ليس من شأن طالب العلم، إنما يُسْتَجَاز من المزاح الشيء =
[ ٤٣ ]
وقد قيل: "من أكثر من شيء عُرف به" (^١).
فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية (^٢).
= اليسير النادر القليل والطريف، الذي لا يخرج عن حد الأدب، ولا عن طريقة العلم، أما أن يكون كل حديثه وكل مجالسه مبنية على المزاح، ويتكلَّم بالأمور الفاحشة في المزاح التي تكون كبيرة، وتكون عظيمة أن تصدر من إنسان يطلب العلم، أو يتكلم في الأمور السخيفة التافهة التي لا قيمة لها، أو يتكلم من المزاح بما يُوغِرُ الصدور، بحيث يُعلِّق على هذا، ويُنكِّت على هذا، فهذا يورث القطيعة، ويورث غِل القلوب، ويجلب الشر، وهذا كله مذموم.
وأصل كثرة المزاح - حتى ولو لم يكن بهذه الأمور؛ من الفاحش والسخيف والمورث للعداوة - يضع من قدر الإنسان، ويزيل صفة المروءة منه، ما هي صفة المروءة؟ المروءة المراد بها اجتناب الإنسان ما لا يُثنى عليه من الأوصاف عند الناس، وبعضهم يقول: المروءة اجتناب الإنسان الصفات غير المرغوب فيها.
مثال هذا: مما يُرغب فيه أن يكون الإنسان في مجتمعاتنا لابسًا للثياب، فإذا لبس البنطلونات لم يُعدّ حينئذٍ ممن اتصف بصفات المروءة؛ لأن الناس لا يثنون على من ترك هذه الثياب المعتادة.
(^١) قوله: "وقد قيل: من أكثر من شيء - من مزاح أو ضحك - عُرف به"، بحيث يكون موصوفًا به فيقال: فلان مزَّاح.
(^٢) قوله: "فتجنَّب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية"، الأريحية يعنى ما يكون منتجًا لراحة النفس، بعض الناس يعد الضحك والتبذل وكثرة المزاح من الأريحية التي ترتاح لها النفوس، وهذا ليس من ذلك في شيء، بل إن الناس إذا وجدوا شخصًا يكثر من المزاح والتعليق على الآخرين، فإنه حينئذ تنفر منه نفوسهم.
[ ٤٤ ]
وعن الأحنف بن قيس قال: "جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصَّافًا لفرجه وبطنه" (^١).
وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء: "ومن تزيَّن بما ليس فيه، شانه الله" (^٢).
وانظر شرحه لابن القيم رحمه الله تعالى.
(^١) قوله: "قال الأحنف بن قيس: (جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام) "، وذلك لأن هذه الأمور ليست من الأمور التي تقصدها نفوس العقلاء، وترتفع نفوسهم بها، وإنما ينبغي أن تكون مجالسنا فيها ذكر الآداب، فيها ذكر الأحكام الشرعية.
كذلك من الأمور التي تتعلق بهذا: أن لا يظهر الإنسان صفة ليس متصفًا بها حقيقة، كأن يُظهر للآخرين أنه يقوم الليل وليس كذلك، أو يظهر للآخرين أنه يقرأ القرآن أو يحفظ كتاب الله، وليس فيه تلك الصفة.
(^٢) قوله: "قال عمر ﵁: (من تزين بما ليس فيه شانه الله) "، ويقول النبي ﷺ: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) [¬١]، المتشبع بما لم يعط: الذي يقول أنا متصف بالصفة الفلانية، ومتصف بالصفة الفلانية، وهو لا يتصف بذلك، هذا كلابس ثوبي زور، والزور: هو الكذب وتمويه الحقائق، وجعلها كالثوبين لأنه أولًا قد كذب على نفسه، بحيث يُظهر أنه متصف بهذه الصفة وليس كذلك، وكذلك قد زوَّر صورته في نفوس الآخرين، ولذلك جعله كلابس ثوبي زور.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٢٩).
[ ٤٥ ]