التحلي بـ (المروءة)، وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس (^١)، والأنفة من غير كبرياء (^٢)، والعزة في غير جبروت (^٣)، والشهامة في غير عصبية (^٤)، والحمية في غير جاهلية (^٥)،
(^١) هذا هو الأدب الثامن من آداب طالب العلم: التحلي بالمروءة.
تقدم معنا أن المروءة: التزام الصفات المحمودة عند الخلق، واجتناب الصفات غير المرغوب فيها عند الخلق.
والتحلي بالمروءة من مكارم الأخلاق، ومن أمثلة المروءات التي يحسن لطالب العلم أن يلتزم بها: أن يكون ملازمًا للأخلاق الفاضلة، يحسن التعامل مع الآخرين، ومن ذلك طلاقة الوجه؛ بحيث لا يكون عابسًا أو يكون معرضًا بوجهه عن طلابه أو عن زملائه.
ومن المروءة: إفشاء السلام. ومن المروءة تحمُّل الناس، والمراد بتحمل الناس: الصبر على أذيتهم.
(^٢) قوله: "الأنفة من غير كبرياء"، المراد بالأنفة: ترفُّع بالنفس عما لا يليق بها، بحيث لا يفعل الإنسان فعلًا لا يكون مناسبًا لحاله.
(^٣) قوله: "العزة في غير جبروت"، أي: فلا يقدم على فعل لا يليق به، فيرفع نفسه من غير تكبر.
(^٤) قوله: "والشهامة في غير عصبية"، بأن يكون مقدِّمًا للخير للآخرين شهمًا، كريمًا، لكن لا يكون دافعه لذلك العصبية ونفع قرابته فقط، وإنما يكون دافعه لذلك التقرب لله - جل وعلا -.
(^٥) قوله: "والحمية في غير جاهلية"، والمراد بالحمية: أن يحمي المؤمنون بعضهم بعضًا عما لا يليق بهم تقربًا لله، ولا يكون الدافع لذلك صفة من صفات أهل الجاهلية.
[ ٤٦ ]
وعليه فتنكب (خوارم المروءة)، في طبع، أو قول، أو عمل، من حرفة مهنية (^١)، أو خلة رديئة، كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين (^٢)، وغشيان مواطن الريب (^٣).
(^١) قوله: "وعليه فتنكب (خوارم المروءة) في طبع، أو قول .. "، خوارم المروءة ليست من شأن أهل العلم، وخوارم المروءة تقدم لنا أمثلتها سواء كانت هذه الخوارم في طبع؛ كأن يكون الإنسان مخراقًا، أو يكون عجلًا، أو كانت الخوارم في قول، بأن يتكلم بالكلام غير اللائق، كأن يسب ويقدح في الآخرين، أو كانت الخوارم في عمل، كأن يبتذل نفسه في الذهاب إلى أماكن لا تليق به، وكذلك يجتنب الحرف المهنية التي يحتقرها الناس؛ لأن طالب العلم ينبغي أن يوجد له مكانة في الناس من أجل أن يقبلوا ما ينشره من العلم، وعندما يمتهن حرفة مَهِينة فإنه حينئذٍ يكون مناقضًا، ويكون مما لا تقبله نفوس الناس، وبالتالي لا يسمعون له، ولا يأخذون ما لديه من علم. وهكذا يجتنب الأوصاف الرديئة.
(^٢) قوله: "خلة رديئة … " يعني الوصف، والرديء يعني السيئ غير المقبول، ومن ذلك العجب بأن يرى الإنسان لنفسه فضلًا، والرياء بأن يكون مقصوده بما يؤديه من العمل اطلاع الناس عليه، والبطر وهو نوع من أنواع الكبرياء، ويكون فيه جحد للحق، والخيلاء بترفع النفس عما يكون مناسبًا لها، ومظنة أن للنفس فضلًا على الغير، ومن الصفات الرديئة: احتقار الآخرين.
(^٣) قوله: "غشيان مواطن الريب"، أي: المواطن التي يُظَنُّ فيمن دخلها بظن السوء، من أمثلة ذلك: عندما يذهب الإنسان إلى الأمكنة التي فيها معازف، فهذا موطن من مواطن الريب، ولو لم يكن مقصده مكان العزف، وكان مقصده محلًا مجاورًا له، هذا من خوارم المروءة، لأن هذا من مواطن الريب، ولذلك يجتنبه الإنسان، وهكذا أيضًا المحال التي فيها معاص يجتنبها طالب العلم؛ لأن هذه من مواطن الريب، وإذا خشي أن يظن به =
[ ٤٧ ]