تمتع بخصال الرجولة من الشجاعة وشدة البأس في الحق ومكارم الأخلاق (^٢)،
= ظن السوء احتاط لذلك، وبذل من الأسباب ما يدفع مثل هذا الظن السيئ، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ جاءته زوجته صفية وهو معتكف، فلبثت معه في المسجد، فلما أرادت أن تنصرف انقلب معها وكانوا في ليل، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي) فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا، - أو قال - شيئًا) [¬١]، كما ورد في الصحيح.
(^١) هذه الخصلة التاسعة من خصال طالب العلم: اتصافه بصفات الرجولة، وصفات الرجولة أنواع: منها الشجاعة، بحيث يكون مقدامًا على الأفعال الطيبة، ولا تكون نفسه ذات خور أو ضعف عن الإقدام عما يليق به، فالشجاعة صفة من صفات الرجال الذين يُثنى عليهم بها، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ تَعوَّذ من الجبن والجبن هو الضعف والخور مما يقابل الشجاعة، ومن أنواع الشجاعة: شدَّة البأس في الحق.
(^٢) قوله: "مكارم الأخلاق"، ومن صفات الرجال اتصافهم بمكارم الأخلاق، وبذلك يكونون على الخلق العالي، وقد جاءت الشريعة تُرغِّب في اتصاف المؤمنين بالصفات العالية، والأخلاق الكريمة، يقول النبي ﷺ: (أنا زعيم ببيت أعلى الجنة لمن حسن خُلُقه) [¬٢]، وجاء في حديث في السنن أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن ليدرك بحسن خُلُقه درجة الصائم القائم) [¬٣].
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥)، والترمذي (١١٧٢)، وأبو داود (٢٤٧٠). [¬٢] أخرجه أبو داود (٤٨٠٠). [¬٣] أخرجه أبو داود (٤٧٩٨).
[ ٤٨ ]
والبذل في سبيل المعروف (^١)، حتى تنقطع دون آمال الرجال.
(^١) قوله: ومن خصال الرجولة "البذل في سبيل المعروف"، بحيث يعطي الإنسان لله، وكم من آية في كتاب الله تُثني على أولئك الذين يبذلون في سبيل الله، قال - جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، والآية التي قبلها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال - جل وعلا -: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، يعني: يضاعفها، وقد وعد الله - جل وعلا - المنفقين في سبيله بالخلف في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (قال الله ﷿: يا ابن آدم أَنْفِق، أُنْفِق عليك) [¬١]، وجاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) [¬٢]، يعني: خسارة وذهابًا للمال.
كذلك هذه الصفات الثلاث الشجاعة والأخلاق الفاضلة والبذل بالمعروف، من وجدت فيه أصبح ممن يعظم أجرهم، ومن الرجال الذين يعتمد عليهم، وممن تكون لهم مكانة عند الخلق، ويقابل هذا الصفات صفات مذمومة. =
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٤٦٨٧)، ومسلم (٩٩٣). [¬٢] أخرجه البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).
[ ٤٩ ]
وعليه، فاحذر نواقضها من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم، فإنها تهضم العلم (^١)، وتقطع اللسان عن قولة الحق، وتأخذ بناصيته إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده (^٢).
= أولها: ضعف الجأش والجبن والخور، والضعف صفة يذم بها الإنسان.
الصفة الثانية: قلة الصبر وعدم التمكن من إمساك النفس في المكارم وأفعال الخيرات.
الثالثة: عدم فعل الأخلاق الفاضلة، وعدم البذل في طرق الخير.
(^١) فهذه الأمور "تهضم العلم"، يعني تنقص مقدار العلم، فالعالم متى كان باذلًا في المعروف منفقًا فيه فإن الله - جل وعلا - يبارك له في علمه، ويضع له القبول في الأرض.
(^٢) وكذلك هذه الصفات، وهي الجبن وسوء الأخلاق والبخل "تقطع اللسان عن قولة الحق"، بحيث تعجز الإنسان عن أن يتكلم بما ينتفع به الناس في دنياهم وآخرتهم، بل إن هذه الصفات تجعل طالب العلم في حالة يتمكن أعداؤه منه، ويتمكنون من بث سمومهم في سمعته، فيكون ذلك سببًا لإعراض الناس عن العلم النافع بسبب عدم اتصاف أصحابه بهذه الصفات التي تجعل الناس يقبلون عليه.
[ ٥٠ ]