ويدل على مشروعية ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢).
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار؛ فإن كلًا منهم ذكر عملًا صالحًا تقرب به إلى اللَّه ابتغاء وجهه سبحانه، فتوسل بعمله الصالح، فاستجاب اللَّه له (٣).
النوع الثالث: التوسّل إلى اللَّه تعالى بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر:
كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحلّ به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب اللَّه ﵎، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى اللَّه تعالى، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح، والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه. ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: أصابت الناس سَنَةٌ على عهد النبي - ﷺ -، فبينما النبي - ﷺ - يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول اللَّه! هلك المال وجاع العيال فادع اللَّه لنا. فرفع يديه ثم قال: «اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا»، وما نرى في السماء قَزَعةً، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٥٣.
(٣) أخرجه البخاري ٤/ ٣٧، برقم ٢٢١٥، ومسلم، ٤/ ٣٠٩٩، برقم ٢٧٤٣.
[ ٤٣ ]
السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته - ﷺ -، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال غيره فقال: يا رسول اللَّه، تهدم البناء، وغرق المال، فادع اللَّه لنا، فرفع يديه فقال: «اللَّهم حوالينا ولا علينا»، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدَّث بالجود» (١).
ومن ذلك سؤال أبي هريرة - ﵁ - للنبي - ﷺ - أن يدعو لأمه بالهداية إلى الإسلام، فدعا لها - ﷺ -، فهداها اللَّه تعالى (٢).
ومن ذلك أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يطلب من العباس عم النبي - ﷺ - أن يدعو لهم اللَّه - ﷿ - أن يغيثهم، فيغيثهم سبحانه (٣).
ومن ذلك قول النبي - ﷺ - لعمر - ﵁ -: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على اللَّه لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، ١/ ٢٢٤، برقم ٩٣٣، ومسلم، ٢/ ٦١٢، برقم ٨٩٧.
(٢) مسلم، ٤/ ١٩٣٩، برقم ٢٤٩١، ويأتي تخريجه.
(٣) انظر: البخاري مع الفتح، ٢/ ٤٩٤ كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، حديث رقم ١٠٠٨.
(٤) أخرجه مسلم ٤/ ١٩٦٨، برقم ٢٥٤٢.
[ ٤٤ ]