شعيبٍ: ثنا سليمانُ بن حربٍ، قال: قال حمادُ بن زيدٍ: سمعت أيوبَ يقول: إذا لم يكنْ ما تريدُ، فأَرِدْ ما يكونُ (١).
وحُقَّ لكلِّ أحدٍ منا أن يصبر على الزمان، فانه لا يأتي زمانٌ ولا يوم ولا ساعة إلا والذي بعدَه شرٌّ منه.
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: أنا أبي: ثنا أبو معاويةَ: ثنا مالكٌ، عن الحسنِ: أنه كان يقول: ما لي لا أرى زمانًا إلا بكيتُ منه، فإذا ذهبَ، بكيت عليه.
وأنشدونا في معنى ذلك:
رُبَّ دَهْرٍ بَكَيْتُ مِنْهُ فَلَمَّا صِرْتَ بِغَيْرِهِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ
* وهم قوم جادوا بأنفسهم لله -﷿-.
أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا أبو بكر بن حبيبٍ البغداديُّ: أنا عليُّ بن أبي صادقٍ: أنا ابن باكويهِ: ثنا نصرُ بن أبي نصرٍ: ثنا عليُّ بن محمدٍ: حدثني سعيدُ بن جعفرٍ، وهارونُ الأرمنيُّ، وعثمانُ التمارُ، قالوا: ثنا عثمانُ بن عمارةَ: حدثني إبراهيمُ بن أدهمَ، قال: لقيتُ رجلًا بالإسكندرية يقال له: أسلمُ بن زيدٍ الجهنيُّ، فقال: من أنت يا غلام؟
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٢).
[ ١٥٨ ]
قلت: شابٌّ من أهل خراسان.
قال: ما حملَك على الخروجِ من الدنيا؟
قلت: زهدًا فيها، ورجاء ثواب الله -﷿-.
فقال: إن العبد لا يتمُّ رجاؤه لثواب الله -﷿- حتى يحملَ نفسَه على الصبر.
فقال له رجل ممن كان معه: وأيُّ شيء الصبرُ؟
قال: إن أدنى منازل الصبر: أن يروضَ العبدُ نفسَه على احتمال مكارِهِ الأنفس.
قال: قلت: ثم مه؟
قال: إذا كان محتملًا للمكاره، أورث الله -﷿- قلبه نورًا.
قلت: فماذا النور؟
قال: سراجٌ يكون في قلبه يفرق بين الحق والباطل والمتشابه.
ثم قال: يا غلام! إياك إذا صحبتَ الأخيارَ وجاريتَ الأبرارَ أن تُغضبهم عليك؛ لأن الله تعالى يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، وهم الراضون عن الله -﷿- إذا سخط الناس، يا غلام! احفظْ عني واعقلْ، واحتملْ ولا تعجَلْ، إياك والبخلَ.
قلت: وما البخلُ؟
[ ١٥٩ ]
قال: أما البخلُ عند أهل الدنيا، فهو أن يكون الرجل ضنينًا بماله، وأما عند أهل الآخرة، فهو الذي يضنُّ بنفسه عن الله، ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث الله قلبَه الهدى والتقى، وأُعطي السكينةَ والوقارَ، والحلمَ الراجحَ، والعقلَ الكامل.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أنا حمدٌ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا عثمانُ بن محمدٍ: قرئ على أبي الحسينِ السريريِّ: سمعتُ يوسفَ بن الحسينِ يقول: سمعت ذا النون يقول: بصحبة الصالحين تطيبُ الحياة، والخيرُ مجموعٌ في القرين الصالح، إن نسيتَ ذَكَّرَكَ، وإن ذكرتَ أعانَكَ (١).
قال: وسمعتُه يقول: مَنْ لم يعرفْ قدرَ النعم، سُلِبَها من حيثُ لا يعلم (٢).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إبراهيمَ: ثنا أبو حامدٍ النيسابوريُّ: ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن: سمعتُ ذا النونِ يقول: إلهي! لو أصبتُ موئلًا في الشدائد غيرَك، أو ملجأً في النوازل سواك، لحقَّ لي أن لا أعرضَ إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك؛ لقديم إحسانك إليَّ وحديثه، وظاهرِ مِنَّتِكَ عليَّ وباطنها، ولو تقطعتُ في النبلاء إربًا إربًا، وانصبَّتْ عليَّ الشدائدُ صَبًّا صَبًّا، لا أجد مشتكى لبثِّي غيرَك، ولا مُفَرِّجًا لما بي عني سواك، فيا وارث الأرض ومَنْ عليها، ويا
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ٣٥٩).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١٠/ ١٢٤).
[ ١٦٠ ]
باعثَ جميعِ مَنْ فيها! ورث آملي فيك مني أملي، وبلِّغ همتي فيك منتهى وسائلي (١).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: ثنا أحمدُ بن مصقلةَ: ثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: سمعتُ ذا النونِ يقول: من ذبحَ حنجرةَ الطمعِ بسيف اليأس، وردمَ خندقَ الحرصِ، ظفرَ بكيمياء الخدمة، ومن استقى بحبل الزهد على دَلْو العُزوف، استقى من جُبِّ الحكمة، ومن سلكَ أوديةَ الكَمَد، جنى حياة الأبد، ومن حصدَ عشبَ الذنوب بمنجل الورع، أضاءت له روضة الإستقامة، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت، وجد عذوبةَ الراحة، ومن تَدَرَّعَ دَرعَ الصدق، قويَ على مجاهدة عسكرِ الباطل، ومن فرح بمِدْحَة الجاهل، ألبسه الشيطانُ ثوبَ الحماقة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا محمدُ بن أبي منصورٍ: أنا الحسينُ بن عبد الجبارِ: أنا أبو سعيدٍ مسعودُ بن ناصرٍ: أنا أبو حازمٍ العبدويُّ: أنا ابن جهضمٍ: أنا محمدُ بن جعفرٍ: ثنا يحيى بن الحسنِ، عن معروفٍ الكرخيِّ، قال: رأيتُ في البادية شابًا حسنَ الوجه، له ذؤابتان حسنتان، وعلى رأسه رداء قصب، وعليه قميصُ كتان، وفي رجليه نعلُ طاق.
قال معروف: فتعجبتُ منه في مثل ذلك المكان ومن زِيِّه.
فقلت: السلامُ عليك ورحمةُ الله وبركاته.
فقال: وعليكَ السلامُ ورحمةُ الله يا عَمّ.
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ٣٥١).
[ ١٦١ ]
فقلت: الفتى من أين؟
قال: من مدينة دمشقَ.
قلت: ومتى خرجتَ؟
قال: ضحوةَ النهار.
قال معروف: فتعجبتُ، وكان بينه وبين الموضع الذي رأيتُه فيه مراحلُ كثيرة، فقلت له: وأين المقصد؟
قال: مكة.
فعلمتُ أنه محمول، فودعته، ومضى ولم أره حتى مضت ثلاثُ سنين، فلما كان ذات يوم أنا جالس في منزلي أتفكر في أمره، وما كان منه، إذا بإنسان يدق الباب، فخرجت إليه، فإذا أنا بصاحبي، فسلمت عليه، وقلت: مرحبًا وأهلًا، وأدخلته المنزل، فرأيته منقطعًا والهًا تالفًا، عليه زر مانقة، حافيًا حاسرًا.
فقلت: هيه، أيُّ شيء الخبرُ؟
فقال: يا أستاذ! لاطَفَني حتى أدخَلَني الشبكةَ، فرماني، فمرة يلاطفني، ومرة يهددني، ويجيعني مرة، ويكرمني أخرى، فليته وقفني على بعض أسرار أوليائه، ثم فعل بي ما يشاء.
قال معروف: فأبكاني كلامه.
فقلت له: فحدِّثني [عن] بعض ما جرى عليك منذ فارقتني.
فقال: هيهاتَ أن أُبديه، وهو يريد أن يُخفيه، ولكن أُبدي لكَ
[ ١٦٢ ]
بعضَ ما فعل بي في طريقي إليك، مولاي وسيدي، ثم استفرغه البكاء. فقلت: وما فعل بك؟
قال: جَوَّعني ثلاثين يومًا، ثم جئتُ إلى قرية فيها مِقْثاةٌ قد نبذ منها الدود وطرح، فقعدت آكل منه، فبصر بي صاحبُ المقثاة، فأقبل إلى يضرب ظهري وبطني، ويقول: يا لص! ما خرب مقثأتي غيرُك، منذ كم أرصدُك حتى وقعتُ عليكَ، فبينا هو يضربني إذ أقبل فارسٌ إليه مسرعًا، وقلب السوطَ في رأسه، وقال: تعمدُ إلى ولي من أولياء الله، فتقول له: يا لص؟! فأخذ صاحبُ المقثاة بيدي، فذهب بي إلى منزله، فما أبقى من الكرامة شيئًا إلا عمله معي، واستحلني، وجعل مقثاته لله -﷾- ولأصحاب معروف.
فقلت له: صفْ لي معروفًا، فوصفَكَ لي، فعرفتُك بما كنت شاهدتُه من صفتك.
قال معروفٌ: فما استتمَّ كلامَه حتى دقَّ صاحبُ المقثاةِ البابَ، ودخل إليَّ، وكان موسِرًا، فخرج من جميع ماله، وأنفقه على الفقراء، وصحبَ الشابَّ سنةً، وخرجا إلى الحج، فماتا في الربذة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفرجِ: أنا عبد الملكِ بن أبي القاسمِ: أنا أبو عبد الله محمدُ بن عليٍّ: أنا أبو الفضلِ الفاميُّ: أنا محمدُ بن أحمدَ المروانيُّ: حدثني محمدُ بن المنذرِ: ثنا عيسى بن أبي موسى: أنا أبو عبيدِ الله الإمامُ: سمعت أبا عبد الله النباجيَّ يقول: إذا كان عندك ما أعطى الله نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا -﵈- ولا تراه شيئًا، وإنما تريد ما أعطى الله نمرودَ وفرعونَ وهامانَ، متى تفلح؟
[ ١٦٣ ]
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ، قال: أبو الخيرِ التينانيُّ الأقطعُ كان مقطوعَ اليد، وكان سببُ ذلك: أنه كان في جبال أنطاكية يطلب المباح، وينام بين الجبال، وكان عاهدَ الله أن لا يأكل من ثمر الجبال إلا ما طرحَتْه الريح، فبقي أيامًا لا تطرح الريح له شيئًا، فرأى يومًا شجرة كُمَّثْرى، فاشتهى منها، فلم يفعل، فأمالتها الريحُ إليه، فأخذ واحدة بيده، واتفق أن لصوصًا قطعوا هنالك الطريق، وجلسوا يقتسمون، فوقع عليهم السلطانُ فأخذهم، وأُخذ معهم، فقُطعت أيديهم وأرجلهم، وقُطعت يدُه، فلما هموا بقطع رجله، عرفه رجلٌ، فقال للأمير: أهلكتَ نفسَك، هذا أبو الخير، فبكى الأمير، وسأله أن يجعله في حِلٍّ، ففعل، وعوتب، فقيل له: هلا عرفتنا نفسَك؟ فقال: أنا أعرف ذنبي؟ إشارةً منه أنه عاهدَ الله أن لا يأخذَ إلا ما ألقته الريح، فأخذ بها غيرَ ما ألقته الريح، فقُطعت.
وبه إلى أبي الفرج: أنا المحمدان: ابن عبد الملكِ، وابن ناصرٍ، قالا: أنا أحمدُ بن خيرون: أنا أبو الحسينِ الصوفيُّ: أنا عليُّ بن المثنئ: سمعت أبا الخيرِ التيناتيَّ الأقطعَ يقول: ما بلغَ أحدٌ إلى حالةٍ شريفةٍ إلا بملازمةِ الموافقةِ، ومعانقةِ الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين (١).
وبه إلى الإمامِ أبي الفرجِ: أنا عمرُ بن طغر: أنا جعفرُ بن أحمدَ: أنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: أنا ابن جهضمٍ: حدثني محمدُ بن داودَ:
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١٠/ ٣٧٨).
[ ١٦٤ ]
سمعتُ ابن الجلاءِ يقول: سمعتُ أبا سليمانَ المقرئَ قال: كنت أحملُ الحطبَ، وأتقوَّتُ منه، وكان طريقي فيه التوقِّي والتحري، قال: فرأيت جماعةً من البصريين في النوم، منهم. الحسنُ، ومالكُ بن دينارٍ، وفرقدٌ السبخيُّ، فسألتُهم عن علة حالي، فقلتُ: أئمة المسلمين دَلُّوني على الحلال الذي ليس لله -﷿- فيه تَبِعَةٌ، ولا للخَلْق فيه مِنَّة، فأخذوا بيدي، وأخرجوني من طرسوسَ إلى مرجٍ فيه خُبَّازَى، فقالوا لي: هذا الحلالُ الذي ليس لله -﷿- فيه تبعة، ولا للمخلوق فيه منة.
قال: فمكثتُ آكلُ منه نصفَ سنة، ثلاثة أشهر في دار السبيل، آكلُه نيِئًا ومطبوخًا، فصار لي حديث. فقلت: هذه فتنة.
فخرجتُ من دار السبيل، فكنت آكلُه ثلاثةَ أشهر أُخر. فأوجدني الله -﷿- قلبًا طيبًا حتى قلتُ: إن كان أهلُ الجنة بهذا القلب الذي لي، فهمْ والله في شيء طيب، وما كنت آنسُ بكلام الناس، فخرجتُ يومًا من باب قلمية إلى صهريج يعرف بالمدنف، فجلست عنده، فإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامش يريد طرسوس، وقد بقي معي قطيعات من ثمن الحطب الذي كنت أجيء به من الجبل، فقلت: أنا قد قنعت بهذا الخبازى، أعطي هذه القطعَ هذا الفقيرَ، إذا دخل طرسوسَ اشترى بها شيئًا وأكلَه، فلما دنا مني، أدخلت يدي إلى جيبي حتى أُخرج الخرقةَ، فإذا أنا بالفقير قد علمَ ما أُريد، وحرك شفتيه، وإذا كلُّ ما حولي من الأرض ذَهَبٌ يَتَّقَدُ حتى كاد يخطفُ بصري، ولبستني منه هيبةٌ، فجازَ ولم أسلِّم عليه من هيبته.
[ ١٦٥ ]
زاد أبو الفرج بن أبان: فقلت له: فهل رأيتَه بعد ذلك؟
قال: نعم، خرجتُ يومًا خارجَ طرسوس، إذا به جالسٌ تحت برجٍ من الأبرجة، وبين يديه ركوةٌ فيها ماء، فسلمت عليه، ثم استدعيت منه موعظة، فمدَّ رجلَه فقلب بها الماء، ثم قال: كثرةُ الكلامِ تنشِّف الحسناتِ كما نشفت الأرضُ هذا الماء. ثم قال: حسبك.
وبه إلى الإمامِ أبي الفرجِ: أنا محمدُ بن أبي القاسمِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا إسحاقُ بن أحمدَ: ثنا إبراهيمُ بن يوسفَ: ثنا أحمدُ بن أبي الحواريِّ: ثنا أحمدُ بن عاصمٍ، قال: إذا صارتِ المعاملةُ إلى القلب، استراحتِ الجوارحُ (١).
قال: وسمعته يقول: ما أَغْبِط أحدًا إلا مَنْ عرفَ مولاه، فأشتهي أن لا أموتَ حتى أعرفَه معرفة العارفين، الذين يستحبونه، لا معرفة التصديق (٢).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: سمعتُ أبي يقول: قال أحمدُ بن عاصمٍ: أنفعُ اليقينِ ما عَظُم في عينيك ما به أيقنت، وأنفعُ الخوفِ ما حجزك عن المعاصي، وأطالَ منك الحزنَ على ما فات، وألزمَكَ الفكرَ في بقية عمرِك، وخاتمةِ أمرك، وأنفعُ الصدقِ أن تُقِرَّ لله بعيوبِ نفسك، وأنفعُ الحياء أن تستحييَ أن تسأله ما تحبُّ، وتأتيَ ما يكره، وأنفعُ الصبر ما قَوَّاكَ على خلافِ هواكَ، وأفضلُ الجهاد مجاهدتُكَ نفسَك
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ٢٨١).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ٢٨٢).
[ ١٦٦ ]
لتردَّها إلى قبولِ الحق، وأوجبُ الأعداءِ مجاهدةً أقربُهم منك دُنُوًّا، وأخفاهم عنك شخصًا، وأعظمُ لك عداوةً، وهو إبليس.
قلت: فما ترى في الإنس بالناس؟
قال: إن وجدتَ عاقلًا مأمونًا، فَأْنَسْ به، واهربْ عن سائرهم كهربك من السباع.
قلت: فما أفضلُ ما أتقرَّبُ به إلى الله -﷿-؟
قال: تركُ معاصيه الباطنة.
قلت: فما بالُ الباطنةِ أولى من الظاهرة؟
قال: لأنك إذا اجتنبت الباطنة، بطلت الظاهرة والباطنة.
قلت: فما أضرُّ الطاعات لي؟
قال: ما نسيتَ بها مساوئَك، وجعلتَها نصبَ عينيك إدلالًا بها وأمنًا.
قال: وسمعتُه يقول: استكثرْ من الله -﷿- لنفسِك قليلَ الرزق؛ تخلصًا إلى الشكر، واستقلِلْ من نفسك لله كثيرَ الطاعة؛ إزراءً على النفس، وتعرضًا للعفو، واستجلِبْ شدةَ التيقُّظ بشدة الخوف، وادفعْ عظيمَ الحرصِ بإيثارِ القناعة، واقطعْ أسبابَ الطمعِ بصحةِ اليأس؛ وسُدَّ سبلَ العُجْب بمعرفة النفس، واطلبْ راحةَ البدنِ بإجمام القلب، وتخلَّصْ إلى إجمام القلب بقلةِ الخلطاء، وتعرَّضْ لرقةِ القلبِ بدوام مجالسةِ أهل الذكر، وبادرْ بانتهاز البغيةِ عندَ إمكانِ الفرصة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو بكرٍ العامريُّ: أنا عليُّ بن
[ ١٦٧ ]
أبي صادقٍ: أنا أبو عبد الله بن باكويهِ: أخبرني أبو يعقوبَ الخراطُ: أنا أبو محمدٍ القرظيُّ: أخبرني عثمانُ بن عليٍّ: أخبرني نبهانُ المغلسُ: أخبرني حذيفةُ بن قتادةَ المرعشيُّ، قال: كنت في المركب، فكُسر بنا، فوقعتُ أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب، فمكثنا سبعة أيام.
فقالت المرأة: أنا عطشى، فسألتُ الله تعالى أن يَسقينا، فنزلت علينا من السماء سلسلةٌ فيها كوزٌ معلَّق فيه ماء. فشربتُ، فرفعتُ رأسي انظر إلى السلسلة، فرأيت رجلًا جالسًا في الهواء متربعًا.
فقلت: ممن أنت؟
قال: من الإنس.
قلت: فما الذي بلغك هذه المنزلة؟
قال: آثرتُ مرادَ الله على هواي، فأجلسني كما تراني.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: أنا أبو محمدِ بن حيانَ: ثنا إبراهيمُ بن محمدٍ: ثنا أحمدُ بن فضيلٍ، قال: غزا أبو معاويةَ الأسود، فحاصر المسلمون حصنًا فيه عِلْجٌ لا يرمي بحجبر ولا نُشَّابٍ إلا أصاب به، فشكَوْا ذلك إلى أبي معاوية، فقرأ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ثم قال: استروني منه، فلما وقف، قالوا: أين تريدون بإذن الله؟ قال: المذاكير.
فقال: أَيْ رَبِّ! سمعتَ ما سألوني، فأعطني ما سألوني،
[ ١٦٨ ]
باسم الله، ثم رمى، فمر السهمُ حتى إذا قرب من الحائط، ارتفعَ حتى أتى العلجَ، فأخذ مذاكيرَه، فوقع، فقال: شأنكم به (١).
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو بكرٍ العامريُّ: أنا عليُّ بن أبي صادقٍ، وعبدُ الغفارِ بن محمدٍ، قالا: أنا أبو عبد الله بن باكويهِ: ثنا عليُّ بن الحسنِ الأرجانيُّ: ثنا جعفرُ بن محمدٍ: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبا معاويةَ الأسودَ -وهو على سور طرسوس من جوف الليل- يبكي، ويقول: أَلا مَنْ كانت الدنيا أكبرَ هَمِّه، طالَ في القيامة غدًا غَمُّه، ومن خافَ ما بين يديه، ضاق في الدنيا ذَرْعُه، ومن خافَ الوعيد، لها من الدنيا عَمَّا يريد.
يا مسكين! إن كنت تريد لنفسك الجزيلَ، فأقللْ نومَك بالليل إلا القليل، اقبلْ من الأخ الناصح، إذا أتاكَ بأمر واضح، لا تهتمَنَّ برزق مَنْ تخلف، فليست أرزاقهم تكلف، وَطِّنْ نفسَك للمقال، إذا وقفت بين يدي ربِّ العزة للسؤال، قَدِّمْ صالحَ الأعمال، ودَعْ عنك كثرةَ الأشغال، بادرْ ثم بادرْ، قبل أن تصلَ المقابر، قبل أن تصل الروح التراقي، وينقطعَ عنك مَنْ تحبُّ أن تُلاقي، كأني بها وقد بلغتِ الحلقوم، وأنت في سكرات الموت مغموم، وقد انقطعتْ حاجتك، وأنت تراهم حولَكَ، وبقيتَ مرتهنًا بعملك.
الصبرُ مِلاكُ الأمر، وفيه أعظمُ الأجر، واجعلْ ذكر الله من جلِّ شأنك، واملكْ فيما سوى ذلك لسانك.
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢٧١).
[ ١٦٩ ]
ثم بكى أبو معاوية بكاء شديدًا.
ثم قال: أوه من يوم يتغير فيه لوني، ويختلج فيه لساني، ويجفُّ فيه ريقي، ويقلُّ فيه زادي (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا عبد الله بن محمدٍ: حدثني محمدُ بن أحمدَ: ثنا عبد الله بن خبيقٍ: ثنا يوسفُ بن أسباط، قال: قال لي حذيفةُ المرعشيُّ: ما أُصيب أحد بمصيبةٍ أعظمَ من قساوةِ قلبه (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا محمدُ بن الحسينِ الزبيريُّ: ثنا محمدُ بن المسيب: ثنا عبد الله بن خبيقٍ: قال لي حذيفةُ المرعشيُّ: إنما هي أربعةُ أَشياء: عيناك، ولسانك، وهواك، وقلبك، فانظر عينيك، لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، وانظر لسانَك، لا تقل به شيئًا يعلم الله خلافَه من قلبك، وانظر قلبك، لا يكنْ فيه غِلٌّ ولا دَغَلٌ على أحد من المسلمين، وانظر هواك، لا تهْوَ شيئًا، فما دام لم تكن فيك هذه الأربعُ خصال، فاحْثُ الرمادَ على رأسك (٣).
وقال ابن خبيقٍ: حدثني موسى بن المعلَّى، قال: قال حذيفةُ: يا موسى! ثلاثُ خصال إن كنَّ فيك، لم ينزل من السماء خير إلا كانَ لك فيه نصيب: يكون عملُك لله، وتحبُّ للناس ما تحب لنفسك، وهذه الكسرةُ تَحَرَّ فيها ما قدرتَ (٤).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢٦٩).
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١٠/ ١٦٨).
(٤) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢٧٠).
[ ١٧٠ ]
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا عبد الوهابِ بن أحمدَ: أنا حمزةُ بن محمدٍ: أنا أبو القاسمِ عبيدُ الله الخرقيُّ: ثنا أبو بكرٍ النقاشُ: ثنا أبو سعيدٍ الدمشقيُّ: ثنا أحمدُ بن عاصمٍ: حدثني عثمانُ الوجافيُّ، قال: خرجتُ من بيت المقدس أريد بعضَ القرى في حاجة، فلقيتني عجوز عليها جبةُ صوفٍ، وخمارُ صوف، فسلمتُ عليها، فردَّتْ عليَّ السلامَ، ثم قالت: يا فتى من أين أقبلت؟
قلت: من هذه القرية.
قالت: وأين تريد؟
قلت: بعض القرى في حاجة.
قالت: كم بينك وبين أهلك ومنزلك؟
قلت: ثمانية عشر ميلًا.
قالت: ثمانية عشر ميلًا في حاجة؟ إن هذه لحاجة مهمة.
قلت: أجل.
قالت: فما اسمك؟
قلت: عثمان.
فقالت: يا عثمان! ألا سألتَ صاحبَ القرية أن يوجِّه إليك بحاجتك ولا تتعنى؟
قال: ولم أعلمِ الذي أرادت، فقلتُ: يا عجوز! ليس بيني وبين صاحب القرية معرفةٌ.
[ ١٧١ ]
قالت: يا عثمان! ما الذي أوحش بينك وبين معرفته، وقطعَ بينكَ وبين الإتصال به؟
قال: فأفقتُ، فعرفتُ الذي أرادَتْ، فبكيت.
فقالت: من أي شيء تبكي؟ من شيء كنتَ فعلتَه ونسيتَه، أومن شىء أُنسيته وذكرتَه؟
قال: قلت: لا، بل من شيء أُنسيتُه وذكرتُه.
قالت: يا عثمان! احمدِ الله الذي لم يتركْكَ في حيرِتك، أتحبُّ الله -﷿-؟
قلت: نعم.
قالت: فاصدُقني.
قلت: إي والله! إني لأحبُّ الله -﷿-.
قالت: فما الذي أفادَكَ من طرائف حكمته إذ أوصلك إلى محبته؟
قال: فبقيتُ لا أدري ما أقول؟
قالت: يا عثمان! لعلك ممن يحبُّ أن يكتمَ المحبةَ؟
قال: فبقيت بين يديها ولا أدري ما أقول.
قال: يأبى الله أن يدنس طرائفَ حكمته، وخفيَّ معرفته، ومكنونَ محبته ممارسة قلوب البطالين.
قلتُ: رحمكِ الله! لو دعوتِ الله -﷿- أن يشغلني بمحبته.
فنفضت يديها في وجهي.
[ ١٧٢ ]
فأعدتُ القولَ أقتضي الدعاء.
فقالت: يا عبد الله! امضِ لحاجتك، فقد علم المحبوبُ ما ناجاه الضمير من أجلك.
ثم وَلَّت وقالت: لولا خوفُ السلب، لبحتُ بالعجب.
ثم قالت: أوه من شوقٍ لا يبرأ إلا بك، ومن حنينٍ لا يسكن إلا إليك، فأين لوجهي الحياء منك؟ وأين لعقلي الرجوع إليك؟
قال عثمان: فو الله! ما ذكرتُ ذلك، إلا بكيتُ، وغُشي عليَّ.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا عبد الوهابِ الأنماطيُّ: أنا المباركُ بن عبد الخالق: أنا محمدُ بن عليٍّ: أنا أحمدُ بن محمدٍ: ثنا الحسينُ بن صفوانَ: أنا أبو بكرِ بن سفيانَ: حدثني محمدُ بن الحسينِ: حدثني عمارُ بن عثمانَ: حدثني بشرُ بن بشارٍ، وكان من العابدين، قال: لقيتُ عبادًا ثلاثةً ببيت المقدس، فقلت لأحدهم: أوصني.
فقال: أَلْقِ نفسَك مع القَدَرِ حيثُ ألقاك، فهو أحرى أن يفرغ قلبك، ويقلَّ همك، وإياكَ أن تسخطَ ذلك، فيحل بك السخط، وأنت عنه في غفلة لا تشعر به.
فقلت للآخر: أوصني.
فقال: ما أنا بمستوصٍ.
قلت: على ذاك عسى الله أن ينفع بوصيتك.
[ ١٧٣ ]
قال: أما إذ أبيت إلا الوصية، فأحفظ عني: التمس رضوانه في ترك مناهيه، فهو أوصلُ إلى الزلفى لديه.
قال: فقلت للآخر: أوصني، فبكى، واستخرجها سفحًا للدموع، ثم قال: أي أخي! لا تبتغ في أمرك تدبيرًا غير تدبيره، فتهلِكَ فيمن هلك، وتضلَّ فيمن ضلَّ.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَج: أنا أبو بكرٍ العامريُّ: أنا عليُّ بن أبي صادقٍ: أنا أبو عبد الله بن باكويهِ: سمعتُ محمدَ بن الفرحانِ يقول: سمعتُ الجنيدَ يقول: سمعتُ أبا جعفرٍ الخصافَ يقول: حدثني جابرٌ الرحبيُّ، قال: أكثرَ عليَّ أهلُ الرحبةِ يُنكرون عليَّ ما يُعطي الله -﷿- أولياءه، فخرجتُ إلى خارج، فركبت السبعَ، ودخلتُ إلى الرحبةِ وأنا أقول: أين الذين يؤذون أولياء الله، فينكرون عليهم؟ فَكَفُّوا عني.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا عمرُ بن طغر: أنا أحمدُ: أنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: أنا عليُّ بن عبيدِ الله بن جهضمٍ: أنا الخلديُّ: حدثني أبو العباسِ، عن محمدٍ غلامِ أبي عبيدٍ، قال؟ وَدَّعْتُ أبا عبيد حين أردت الحج.
فقال لي: معك شيء؟
قلت: لا، ليس معي غيرُ هذه الركوة.
فقال: إذا أردت شيئًا، أو جعتَ، أو عطشتَ، فصلِّ ركعتين، واجعلها على يمينك، فإذا سلَّمتَ، رأيتَ كلَّ ما تحب.
[ ١٧٤ ]
قال: فجئتُ إلى بعض المنازل، وليس فيه ماء، والناسُ يصيحون: العطش.
فقلت في نفسي: قد قال أبو عبيد ما قال وهو صادق. فأخذتُ الركوةَ، فرميت بها في مصنع، وصليت ركعتين، فما سلمت إلا والرياحُ تذهب بها وتجيء على رأس الماء. فنزلتُ، فأخذت الركوةَ، ثم صحتُ بالناس، فجاؤوا واستَقَوْا حتى رَوُوا.
اللَّهمَّ ببركة الصالحين اكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفجار، وما يختلفُ به الليل والنهار.
سمعتُ أبي يقول: كان الشيخُ عبد الرحمن أبو شعرٍ يتمثَّل كثيرًا:
أَلا رُبَّ ذِي ظُلْمٍ كَمَنْتُ لِظُلْمِهِ فَأَوْقَعَهُ المِقْدَارُ أَيَّ وُقُوعِ
وَمَا كَانَ لِي [إِلا] سِلاحُ تَرَكُّعٍ وَأَدْعِيَة لا تُتَّقَى بِدُرُوعِ
وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْجُو الظَّلُومُ وَخَلْفَهُ سِهَامُ دُعَاءٍ مِنْ قِسِيِّ رُكُوعِ
مُرَيَّشَةٌ بِالهُدْبِ مِنْ جَفْنِ سَاهِرٍ مُنَصَّلَةٌ أَطْرَافُهَا بِنَجِيعِ
وأنشدنا بعضُ إخواننا في معنى ذلك:
أتهْزَأُ بِالدُّعَاءِ وَتَزْدَرِيه تَأَمَّلْ فِيكَ ما صَنَعَ الدُّعَاءُ
[ ١٧٥ ]
سِهَامُ اللَّيْلِ لا تُخْطِي وَلكن لَهَا أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ انْتِهَاءُ
وكان الحافظُ العماد يقول: ما رأيتُ أسرعَ إجابة من هذا الدعاء: يا الله، يا أَلله، يا أَلله، أَنتَ الله، أَنتَ اللهُ، أَنتَ اللهُ، إي واللهِ، إي واللهِ، إي والله، بلى والله، بلى واللهِ، بلى واللهِ، اللهُ، اللهُ، اللهُ، وحقِّ اللهِ، وحقِّ اللهِ، وحقِّ اللهِ، اللهُ، اللهُ، اللهُ، لا إلهَ إلا اللهُ، لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ.
وممَّا يُذكر أنه يُستجاب: أن يقولَ: اللهمَّ يا ودودُ، يا ودودُ، يا ودودُ، يا ذا العرشِ المجيدُ، يا فعالٌ لما يريد، نسألك باسمك الذي ملأ أركانَ عرشِك، وبقدرتك التي قَدِرْتَ بها على خلقك، وبرحمتك التي وَسِعَتْ كلَّ شيء، يا مغيثُ أغثنا، يا مغيثُ أغثنا، يا مغيث أغثنا.
وممَّا نُسِبَ إلى الإمام أحمدَ أنَّه مُستجاب، يا حيُّ قبلَ كلِّ حي، وياحيُّ بعدَ كل حي، ويا حيُّ حينَ لا حي، يا حي محيي الموتى، لا إله إلا أنت، سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين.
وفي الحديث: "دعوةُ أخي ذي النُّون: لا إلهَ إلا أنتَ، سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، لا يدعو بها مكروبٌ إلا فَرَّجَ الله كربَه".
وفي الحديث: "دعاءُ الكرب، لا يدعو به مهمومٌ ولا مكروبٌ إلا فَرَّجَ الله كربَه: لا إلهَ إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلا الله الحليمُ الكريمُ، لا إلهَ إلا الله رَبُّ العرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلا الله رَبُّ السماوات وربُّ الأرضِ ربُّ العرشِ الكريم".
[ ١٧٦ ]
وقال بعضُ العارفين: من قال: يا ألله يا ألله يا ألله، سبعَ مرات، ثم قال بعدها: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين، استجاب الله له.
وقال النبي - ﷺ - حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال إبراهيمُ عندَ نار النمرود: حسبُنا الله ونعمُ الوكيل.
والدعاءُ محبوسٌ عن السماء حتى يصلَّى على النبيِّ - ﷺ -.
اللهمَّ فَرِّجْ عن المهمومين، ونَفِّسْ عن المكروبين، اللهمَّ مَنْ كادَنا فكِدْه، ومن بغى علينا فخُذْه واخْذُلْه، اللهمَّ أصلحْ أمرَ أمةِ محمدٍ، اللهمَّ دَبِّرْنا بحسنِ تدبيرك، والطُفْ بنا في قضائك وتقديرِك، ولا تهلكنا بذنوبنا، ولا تسلَّط علينا بذنوبنا مَنْ لا يرحمنا، ولا تُهلكنا وأنت رجاؤنا، افعلْ بنا ما أنتَ أهلُه، ولا تفعلْ بنا ما نحنُ أهلُه، واشغَلْ عنا كُلَّ ظالمٍ بنفسِه يا أرحمَ الراحمين، يا أرحمَ الراحمين، يا أرحمَ الراحمين.
وحسبنُا الله ونِعْمَ الوكيلُ، وصلَّى الله على سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبه وسلَّمَ.
وفرغ منه واضعُه يوسفُ بن حسنِ بن عبد الهادي، ليلةَ الجمعة، آخرَ شهرِ ربيعٍ الأولِ، سنة ثلاثٍ وتسع مدّة، بمنزلِه بالسهم الأعلى، من صالحية دمشق المحروسة.
والحمدُ لله وحده
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وآلِه وصحبِه وسلَّم
[ ١٧٧ ]