في حال الضرورة، لا نقدر ننام في بيوتنا ليلة واحدة، ولا نأكل كل لقمة.
فقلت: لا إله إلا الله، انظروا إلى هؤلاء كيف هم مع ما هم فيه من البغي!
فما مضت مدة يسيرة حتى سكر، وجاء إلى باب بعض الحكام سكران، فأُمسك فقُتل.
* وهم قوم لم تخف أنفسُهم إلا من الله.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا ابن ناصرٍ: أنا المباركُ بن عبد الجبارِ: أنا محمدُ بن عليٍّ: أنا محمدُ بن عبد الله: ثنا الحسينُ بن صفوانَ: أنا أبو بكرٍ القرشيُّ: ثنا محمدُ بن يحيى: أنا جعفرٍ الرازيُّ، عن أبي حفصٍ السائحِ: أنا أبو وهبٍ وغيرُه: أنَّ عامرَ بن عبد قيسِ هبط واديًا يقال له: وادي السباع، فخُوِّفَ منه، فقال: عَظُمَتْ هيبةُ الله في صدري، حتى ما أهابُ شيئًا غيرَه، واكتنفَتْه السباعُ، فجاء سَبُعٌ منها، فوثبَ عليه من خلفه، فوضعَ يديه على مَنْكِبيه وهو يتلو هذه الَآية: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] فلما رأى السبعُ أنه لا يكترثُ، ذهب، فقيل له: ما هالَكَ ما رأيت؟ قال: إني لأستحي من الله -﷿- أن أهابَ شيئًا غيرَه (١).
أخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا ابن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٨٩).
[ ١٣٨ ]
ابن الجوزيِّ: أنا سعدُ الله بن عليٍّ، ومحمدُ بن عثمانَ الأياميُّ: أنا الطريثيثيُّ: أنا ابن الطيوريِّ: أنا عبد الله بن مسلمٍ: أنا الحسنُ بن إسماعيلَ: أنا عمرُ بن سويدٍ: ثنا يوسفُ بن عطيةَ: ثنا المعلى بن زيادٍ، عن عامر بن عبد قيسٍ: أنه مرَّ بقافلةٍ قد حبسَهُم الأسدُ من بين أيديهم على طريقهم، فلما جاء، نزل عن دابته، فقالوا له: إنا نخافُ عليك من الأسدِ، فقال: إنما هو كلبٌ من كلاب الله -﷿-، إن شاء أن يسلِّطه، سلَّطه، وإن شاء أن يكفَّه، كَفَّه، فمشى إليه حتى أخذ بيديه أُذني الأسدِ، فنحّاه عن الطريق، وجازت القافلةُ، فقيل له: أما خِفْتَه؟ فقال: إني لأستحي من الله -﷿- أن يَرى من قلبي أني أخافُ من غيره.
ومَرَّ مرةً على أَجَمَة، فقيل له: إنا نخافُ عليك منها الأسدَ، فقال: إني لأستحي من الله -﷿- أن أخاف غيره.
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا أحمدُ بن أبي منصورٍ: أنا المؤتمنُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن محمدٍ: أنا أبو عبد الرحمن السلميُّ: أنا أبو الحسنِ الجرجانيُّ: أنا أبو عوانةَ: ثنا ابن أبي الدنيا: ثنا هارونُ بن عبد الله: ثنا إبراهيمُ بن مهديٍّ: ثنا عمرانُ بن مسلمٍ: ثنا أبو مسكينٍ، قال: قال عامرُ بن عبد قيس: مَنْ خافَ الله، أخافَ الله منه كلَّ شيء، ومن لم يخفِ الله، أخافَه الله من كلِّ شيء (١).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا أبو الحسنِ الإمامُ: أنا المحبوبيُّ:
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٩١).
[ ١٣٩ ]
أخبرتنا ستُّ الأهلِ بنتُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: ثنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا أحمدُ بن الحجاجِ: أنا عبد الله بن المباركِ: أنا المستلمُ بن سعيدٍ: ثنا حمادُ بن جعفرٍ: أن أباه أخبره، قال: خرجنا في غَزاة إلى كابل، وفي الجيش صلَةُ بن أَشْيَمَ، فبركَ الناسُ عند العتمة، فقلت: لأرمقنَّ عملَه، فأنظرَ ما يذكرُ الناسُ من عبادته، فصلَّى العتمةَ، ثم اضطجعَ، فالتمسَ غفلةَ الناس، حتى إذا قلت: هدأتِ العيونُ، وثبَ، فدخل غيضة قريبًا منه، فدخلت في أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي.
قال: وجاء أسد حتى دنا منه، قال: فصعدتُ في شجرة، قال: فتراه التفت إليه أو [] حتى سجد، فقلت: الَآن يفترسه، فجلس ثم سلم، فقال: أيها السبع! اطلبِ الرزقَ من مكان آخر، فولَّي، وإن له لزئيرًا يصدع الجبال، فما زال كذلك، فلما كان عند الصبح، جلس فحمِدَ الله -﷿- بمحامدَ لم أسمعْ بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تُجيرني من النار، أَوَ مثلي يجترئ أن يسألك الجنة، ثم رجع فأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحتُ وبي من الفترة شيءٌ الله تعالى به عليمٌ (١).
قال: فلما دنونا من أرض العدو، قال الأمير: لا يشذَّنَّ أحدٌ من العسكر، قال: فذهبتْ بغلتُه بثقلها، فأخذ يصلِّي، فقالوا: إن الناس
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢٤٠).
[ ١٤٠ ]
قد ذهبوا، فمضى، ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، فقالوا: الناسُ قد ذهبوا، فمضى، ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، فقالوا: الناس قد ذهبوا، قال: إنهما خفيفتان، قال: فدعا، ثم قال: اللهمَّ إني أقسمُ عليك أن تردَّ عليَّ بغلتي وثقلَها، قال: فجاءت حتى قامتْ بين يديه، قال: فلما لقينا العدوَّ، حمل هو وهشامُ بن عامرٍ على العدو طعنًا وضربًا وقتلًا، فكسر ذلك العدوَّ، فقالوا: رجلانِ من العرب صنعا بنا هذا، فكيف لو قاتلونا بأجمعهم؟ فأعطوا المسلمين حاجتهم.
وبه إلى عبد الله: حدثني خوثرةُ بن أشرسَ: ثنا حمادُ بن سلمةَ، عن حبيبِ بن الشهيدِ: أن مسلمَ بن يسارٍ كان قائمًا يصلي، فوقع حريق إلى جنبه، فما شعر به حتى أُطفئت النار (١).
أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا ابن الجوزيِّ: أنا محمدٌ: أنا حمدٌ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا أحمدُ بن جعفرٍ: ثنا [أحمدُ بنُ] عليٍّ الأبارُ: ثنا أبو عمارٍ: ثنا الفضلُ بن موسى، عن الحسينِ -يعني: ابن واقد-، عن مطرٍ، عن قتادةَ، قال: مَنْ يَتَّقِ الله يكنْ معه، ومن يكنِ الله -﷿- معه، فمعه الفئةُ التي لا تُغلَب، والحارسُ الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل (٢).
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا أبو بكرِ بن أبي طاهرٍ: أنا محمدُ بن عبد الله: أنا ابن صفوانَ: أنا أبو بكرٍ القرشيُّ: ثنا محمدُ بن إدريس:
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢٩٠).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٣٤٠).
[ ١٤١ ]
ثنا أحمدُ بن أبي الحواريِّ: ثنا وهبُ بن زيدِ بن عبيدٍ، عن خليدٍ، عن الحسنِ، قال: احترقتْ أخصاصُ البصرة، وبقي في وسطها خصٌّ لم يحترقْ، وأمير البصرة يومئذ أبو موسى الأشعري، فخبر بذلك، فبعث إلى صاحب الخص، فأتُي به، فإذا شيخُ فقال: يا شيخ ما بالُ خُصِّك لم يحترقْ؟ قال: إني أقسمتُ على ربي أن لا يحرقه، فقال أبو موسى: أما إني سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "يَكُونُ في أُمَّتِي رِجَالٌ طُلْسٌ رُؤُوسُهُمْ، دُنْسٌ ثِيَاُبُهُمْ، لَوْ أَقْسَمُوا عَلَى الله -﷿- لأَبَرَّهُمْ".
وقد روينا في "الزهد" للإمامِ أحمدَ: أن الله -﷿- قال لموسى لما بعثه إلى فرعون: واعلم أنه لم يتزين لي العبادُ بزينة هي أبلغُ من الزهد في الدنيا، فإنها زينةُ المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًا، فإذا لقيتَهم، فاخفضْ لهم جناحَك، وذَلِّلْ لهم قلبَك ولسانَك، واعلمْ أنه من أهان لي وَليًا، أو أخافَه، فقد بارزَني بالمحاربة، وبادَأَني، وعَرَّضَ بنفسه، ودعاني إليها، وأنا أسرعُ شيءٍ إلى نُصرةِ أوليائي، أفيظنُّ الذي يُحاربني أن يقومَ لي؟ أو يظنُّ الذي يُعاديني أن يُعجزني؟ أو يظنُّ الذي يُبارزني أن يَسبقني، أو يَفوتني؟ وكيف وأنا الثائرُ لهم في الدنيا والآخرة، لا أَكِلُ نُصرَتَهم إلى غيري؟ (١)
وكان فرعونُ قد تحصَّنَ من موسى، وجعل على أبوابه الحَجَبَة، ومعهم الأُسْدُ لأجل موسى، فلما رأته الأسدُ صاحتْ صياحَ الثعالبِ، وجعلتْ تلوذُ به، وتحرسُه، وتحوطه.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٦٥).
[ ١٤٢ ]