* فتأمل القرآنَ جميعَه، تجن فيه الفرقَ بين حزبِ الله، وحزب الشيطان، وتجدِ العاقبةَ لحزب الله.
تأمل حالَ نوحِ وقومه، وحالَ إبراهيمَ وضعفِه، والنمرودِ وقوته، وكانت العاقبةُ له، وكيف ترك أباه وقومَه لرضا الله، حتى إنه عزم على ذبح ولده لله، وإنما ابتلاه الله بذلك حين سكن قلبُه لأدنى شيء من محبته، فأراد الله أن يخرج محبته من قلبه.
وانظر إلى موسى وفرعونَ، وانظر حال محمد - ﷺ -، وكيف أخرجه وحده، وكان [لو أراد] قهر به جميع ملوك الدنيا.
قال الله -﷿-: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
* فليس عليهم خوفٌ، لا في الدنيا؛ لأن الله معهم، وناصرُهم، ولا هم يحزنون، لا في الدنيا على ما فاتهم، ولا في الآخرة؛ لأنه ليس ثَمَ فيها حزن.
أخبرنا الجماعة، وأنا ابن الزَّغبوبِ: أنا الحَجَّارُ: أنا ابن الزَّبيديِّ: أنا السِّجْزِيُّ: أنا الداوديُّ: أنا السَّرَخْسِيُّ، أنا الفِرَبْرِيُّ: أنا البخاريُّ: ثنا خالدُبن مخلدٍ: ثنا سليمانُ بن بلالٍ: حدثني شريكُ بن عبد الله بن أبي نمرٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ الله -﷿- قالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًا فَقَن آذَنْتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبْتُهُ، كُنْتُ
[ ٢٤ ]
سَمْعَهُ الَّذِيِ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيِ يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَفشِي بِهَا، فَإِنْ سَأَلنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّنتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" (١).
ومن هذه الحيثية -حيثُ دخلَ من القوة الربانية الناشئة عن الله -﷿-، المستمدة عظمة قدرة الله - قَدَّمَ سلطانُ أولياءِ الله أكثرَ من غيره؛ بكونه صار الرأسَ للكثير، وتحقَّقَ ذلك، قال -تعظيمًا للسر الإلهي-: قَدَمي هذه على رقبة كلِّ وَلِيٍّ لله (٢).
ولما أُلقي إبراهيمُ في النار، طفأها نورُ الإيمان، وما سكن جسدُه منه، ولهذا وردَ في بعض الآثار: أن النارَ قالت: يا ربِّ! لو عصيتكم، بم كنت تعذبني؟
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٣٧).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع" (ص: ٩٩) في قول الإمام عبد القادر الجيلاني المنقول عنه ما معناه: "منزلة الشيخ -تغمده الله تعالى برحمته- في العلم والعمل والمعرفة في أعلى الدرجات، وأما المقالة التي نقلت عنه، فإن ثبت أنه قالها فليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأهل عصره، والمراد بالقدم: الطريقة، ولا شك أن طريقته بالنسبة لمن كان في عصره أمثل الطرق، ولأنه كان متحققًا بالعلم والعمل، متصفًا باتباع طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين في الإعتقاد، ومن نقل عنه خلاف ذلك لم يقبل منه. ونقل ابن العماد في "شذرات الذهب" (٤/ ٢٠٠) عن الحافظ ابن رجب أنه قال: أحسن ما قيل في هذا الكلام ما ذكره السُّهْرَوردي في "عوارفه": أنه من شطحات الشيوخ التي لا يقتدى بهم فيها، ولا تقدح في مقاماتهم، ومنازلهم، فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم.
[ ٢٥ ]
قال: بناري الكبرى.
قالت: يا رب! ولك نارٌ أكبر مني؟
قال: نعم، نار محبتي، أُسْكِنُها قلوبَ عبادي المؤمنين.
ولهذا ورد: أن النار تقول للمؤمنين يوم القيامة: يا مؤمن! جُزْ، فقد أطفأ نورُكَ لَهِبي (١).
فنورُ الإيمان يطفئُ نارَ الشياطين، قال الله -﷿-: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠].
وقال -﷿- عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].
ولما أُلقي إبراهيمُ في النار، قال: حَسْبِيَ الله ونعمَ الوكيلُ، فطفئت؛ لأنها خلق الله، لا تفعل شيئًا إلا بأمره.
قال الله -﷿-: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩، ٧٠].
وهذه الكلمةُ قالها النبيُّ - ﷺ - لما خُوِّف بالناس؛ كما قال الله﷿-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤].
ولما ضرب موسى البحر بالعصا، وكان بها السرُّ الإلهي، انفرق
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٢٥٨) عن يعلى بن منية -﵁-.
[ ٢٦ ]
البحرُ له، ولم يلتئف بعضُه على بعض، فلما دخلَه فرعونُ بالقوة الشيطانية، لم يمسكه، فالتأم عليه، فقتله.
تجبَّرَ النمرودُ، وتكبر على إبراهيم، وأراد قتلَه بكبير قدرته الضعيفة، فعجز، وقتله الله بأصغر مخلوقاته وأضعفِها.
وفرعونُ افتخر بنهر ما أجراه، مما أجراه، فقتله الله به.
خالدُ بن سنان بالقوةِ الإلهية جعل يضرب النارَ الشيطانيةَ بيده، ويقول: يدًا يدًا كل حق لله مُؤَدّى، أنا عند الله الأعلى.
فطفت يدُ الإيمان ونورُه نارَ الشيطان.
العلاءُ بن الحضرميِّ، وسعدُ بن أبي وَقَّاصٍ حين مَشَيا بالجيوش والعساكر على البحر بالقوة الإيمانية، لم يغرق []
كسرى تكبر بعساكره، وتجبر ومَزَّق كتابَ النبيِّ - ﷺ -، فمزقه الله كُلَّ مُمَزَّق، حتى آخرَ الأمر طلبَ المصالحةَ على أن تؤخذ غالبُ بلاده.
و[] عنه حتى قال: أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم؟! فأجابه: [] الإيمان، بلغة الأعاجم، [] لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدًا حتى نأكل أترج وكوثى بعسل وفريذين.
فقال: واويلاه! إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ثم لم يزل يهرب إلى أن اختفى قعر أرض، فقتل هنالك.
خالدُ بن الوليدِ حين أصاب سيفَه طرفٌ من الأنوار الإلهية، قيل له: سيفُ الله، فما سلَّه على أحد إلا عليه نور الإيمان.
[ ٢٧ ]
عمرُ كان الشيطانُ يهربُ منه (١)، ويَفْرَق منه، فما لقيَه في طريق، إلا وسلك غيرَهُ.
لمَّا ضرب الزبيرُ بن العوامِ شجاعًا فارسًا، تلبس اللبوسَ المنيعةَ والحديد، وعيره [] بلبسه، ثم بفرس ولبسه، ثم خدت الأرض، فقيل له: ما أحدَّ سيفَكَ! فغضبَ، يشير: إن العمل ليده لا لسيفه، فكان ذلك بقوة الإيمان.
افتخر بعضُ ملوك الروم بعِلْجِ عنده ما ضرب شيئًا بيده إلا وقتلَه، فبرز له بعضُ غلمانِ المسلمين، فثبت له، فضربه، فلم يقتله، ثم ضربه المسلمُ بيده الصغيرة الحقيرة، فقتله.
أخبرنا جماعةٌ ومن شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا الصيدلانيُّ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا أبو نعيمٍ: ثنا أبو إسحاقَ بن إبراهيم بن محمدِ بن حمزةَ: ثنا أبو عبيدةَ محمدُ بن أحمدَ بن المؤمِّل، قال أبو نعيمٍ: وثنا إبراهيمُ بن عبد الله بن إسحاقَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ السراجُ، قالا: ثنا محمدُ بن عثمانَ بن كرامةَ: ثنا خالدُ بن مخلدٍ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن شريكِ بن عبد الله بن أبي نمرٍ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ الله -﷿- قَالَ: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا، فَقَد آذَنْتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَاءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يتقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَكُنْتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ
_________________
(١) في الأصل: "منها".
[ ٢٨ ]