* وأنا أؤكد عليك، وأقول: إياك إياك إياك أن يحصل منك أذًى أو ضررٌ لأحد ممن يُتوسم فيه الخيرُ، فربما وقع منه عليك دعوةٌ تستجاب له فيك، فلا تُفلح بعدها أبدًا.
وقد قلتُ في موضع من كلامي: إياكَ والإنكارَ على أحد من المشايخ، أو ذوي الأحوال، أو من العلماء، أو الأخيار، فقد شاهدتُ من ذلك العجبَ العجابَ في غير واقعة، فإني قَطُّ ما أنكرتُ شيئًا، أو وَبَّخْتُ أحدًا، إلا وابتُليت ببعض ذلك في نفسي، أو أحدٍ ممن أحب.
وقد وقع أنه كان عندنا بالصالحية رجل يقال له: الشيخ حسين، لا يزال عُريانًا مكشوفَ العورة، وللناس فيه معتقَدٌ؛ فقد رآه أخي شهابُ الدين-رحمة الله عليه-، وكان من الصالحين الكبار، ومن العلماء الأخيار، وسُمِعَتْ عند موته البشائرُ من السماء، أنكرَ عليه ذلك، وقال: هذا تظهر عورته للرجال والنساء، وطلبَ مني المساعدةَ على ذلك، فقلت له: هذا لا يعقل.
فقال: يُحبس في مكان حتى لا يراه أحد، وسعى في ذلك إلى القاضي الحنبلي وغيره.
فما مضى عليه إلا مدة يسيرة، حتى مرض مرضَ الموت، فكان يتعرَّى في مرضه قدامَ الناس، ولا يستتر، فرأيتُ أن ذلك لكلامه ذلك.
وفي الأمثال: كُلُّ مَنْ عَيَّرَ ابْتُلِي.
ومن قال شيئًا، قيل فيه مثلُه.
وكما تدين تُدان.
[ ٩٨ ]
وبشِّر القاتلَ بالقتل ولو بعد حين.
وفي "تاريخ ابن خلكان"، في ترجمة الإمام يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد صاحب الكرامات والأحوال: أنه جلس يومًا للوعظ، واجتمع إليه الناس، فقام مِنْ بينهم فقيه يعرف بابن السقا، وآذاه، وسأله عن مسألة، فقال له: اجلس؛ فإني أجد من كلامك [رائحة] الكفر، ولعلك أن تموت على غير دين الإِسلام، ثم مضى ذلك، وقدم رسولُ ملكِ الروم على الخليفة، فخرج ابن السقا مع الرسول إلى القسطنطينية، فتنصَّر، ومات نصرانيًا، وكان ابن السقا قارئًا للقرآن، محمودًا في التلاوة.
وحكى مَنْ رآه بالقسطنطينية: رأيته مريضًا ملقًى على دَكَّة، وبيده مروحةٌ يذبُّ بها الذبابَ عن وجهه، فقلت له: هل القرآنُ باقٍ على حفظك؟ فقال: ما أَذكر منه إلا آية واحدة ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، والباقي أُنسيته. نعوذ بالله من سخط الله وخذلانه، ونسأله حسنَ الخاتمة (١).
قال الدَّميريُّ في "حياة الحيوان" بعد هذه الحكاية: فانظر يا أخي كيف هلك هذا الرجل، وخذل بالإنتقاد، وترك الاعتقاد. نسأل الله السلامةَ.
قال: فعليك يا أخي بالإعتقاد، وترك الإنتقاد على المشايخ العارفين، والعلماء العاملين، والمؤمنين الصالحين، فإن حرابهم مسمومة.
_________________
(١) انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٧/ ٧٨ - ٧٩).
[ ٩٩ ]
فقلَّ مَنْ تعرض لهم وسلم، فسلِّمْ تسلَمْ، ولا تنتقدْ تندمْ، واقتدِ بإمام العارفين، وعلامة العلماء العاملين، ورأس الصديقين في وقته الشيخِ عبد القادرِ الكيلانيِّ، لما عزم على زيارةِ الغوثِ بمكة، وقال رفيقاه ما قالا، فقال: أما أنا، فأذهب على قدم الزيارة والتبرك، لا على قدم الإنكار والامتحان، فآل أمرُه إلى أن قال: قدمي هذا على رقبة كلِّ وليٍّ لله، وآل أمرُ أحدِ رفيقيه إلى الكفر، وترك الإيمان؛ كما اتفق في هذه الحكاية، وآل أمرُ الآخر إلى اشتغاله بالدنيا، وتركِه خدمة المولى. نسأل الله التوفيقَ والهدايةَ والإماتة على الإيمان بالله وبرسوله، والإعتقاد الحسن في أوليائه وأصفيائه بمحمد وآله، انتهى كلامه.
وحكى ابن خَلِّكانَ أيضًا: أن رجلًا كان يأكل هو وزوجته دجاجةً مشوية، فوقف على الباب سائلٌ، فرده الرجلُ خائبًا، ونال منه، وكسر قلبه، وكان كثير المال، ثم إنه بعد ذلك افتقر، فوقع بينه وبين زوجته، فطلقها، وتزوجت غيرَه، فبينما هي ذات يوم مع الثاني، وبين يديهما دجاجة مشوية، جاء سائلٌ، فسأل، فقال لامرأته: ناوليه هذه الدجاجة وما معها، فناولته، ونظرت إليه، فإذا هو زوجُها الأول، فرجعت متعجبة، وأخبرت زوجَها الثاني أنه زوجُها الأول، وقالت: والله! لقد كنت معه، وكنا قد صنعنا دجاجة وشويناها، وجلسنا نأكلها، فجاء سائل، فوقف علينا، فزجره، وكسر قلبه، ورده خائبًا، فقال لها زوجُها الثاني: وأنا والله! ذلك المسكين الذي وقف عليكم، أعطاني الله وأغثاني، وأعطاني أكثر من ماله، وأعطاني زوجته لقلة شكره (١).
_________________
(١) انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٦/ ١٠٨).
[ ١٠٠ ]
فانظر بعين الإعتبار، وتأدب مع الله، ومع عباد الله، وقد وقع لكثير من النساء الفواجر: أنه تزوج بها رجل من الأخيار، فتكرهه وتبغضه، وتناكده حتى يطلقها، وتتزوج بعده برجل من الأشرار، فيبغضها ويناكدها، وتذل معه، ويذيقها الذل والهوان، ويستوفي حق ذلك الصالح.
وقد رأينا كثيرًا ممن قتل شخصًا، نشأ له ولد فقتله.
ورأينا كثيرًا ممن أكل مال أيتام غيره، أكل الغيرُ ماله حين مات.
وقد روينا أن في بعض الكتب، يقول الله -﷿-: ابن آدم! كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد.
ورأينا كثيرًا ممن رَبَّى أولادَ غيره، وحَرَصَ عليهم، يَسَّرَ الله له من ربى أولاده، وحرص عليهم.
ورأينا كثيرًا من الناس اتخذ صبيًا يلوط به، فنشأ وكبر، واتخذَ أولادَ ذلك بعده يلوط بهم.
ورأينا كثيرًا من الأشرار تسلَّط على ناس من أهل الخير، فسلط الله عليه مَنْ هو أقوى منه، فآذاه بنحو ما آذى ذلك.
وقد روينا في كتاب "الزهد" للإمام أحمد: يقول الله -﷿-: أَنتقمُ من الظَّلَمَة بالظلمة، وأَنتقمُ من الظلمة جميعًا (١).
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣٣٥٨)، ولفظه: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصير كلًا إلى النار.
[ ١٠١ ]