فكُفَّ يَدك ولسانك وقلبك وجميعَ جوارحك عن أولياء الله، وإياكَ أن تُهلك نفسك في الدارين، وتُخرقها بالنارين، فتوجبَ لها العارَيْن، فليس بعد ذلك [] وليس معه قرةُ عين، هذا لعمرُكَ الصَّغَارُ بعينِه.
فمَنْ عاداهم هلَكَ، وانعطِفْ حيثما سلك، ولو جلسَ في قُبَّهِ الفلك.
ومَنْ والاهم سَلِم، ومن قَرُبَ منهم علم، و[من] جالَسَهم غَنِم.
* فيا سعادةَ مَنْ خدمَهم، ومن جالسهم لأنهم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: ثنا عائشةُ بنتُ عبد الهادي: إنا الحَجَّارُ: أنا ابن الزَّبيديّ، أنا السّجْزِيُّ: أنا الداوديُّ: أنا السَّرَخْسِيُّ: أنا الفِرَبْرِيُّ: أنا البخاريُّ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ لله﷿- مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ الله -﷿- تنَادَوْا: هلُمُّوا إِلًى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ
_________________
(١) = نفسه في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ١٢) تعليل ذلك، فقال: ولعل بعض من ينظر فيما سطرناه ويقف على ما لكتابنا هذا ضمَّناه، يلحق سيء الظن بنا، ويرى أنا عمدنا للطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب لكبراء شيوخنا، وعلماء سلفنا، وأنى يكون ذلك، وبهم ذكرنا، وبشعاع ضيائهم تبصرنا، وباقتفائنا واضح رسومهم تميَّزنا، وبسلوك سبيلهم عن الهمَجِ تحيزنا، وما مثلهم ومثلنا إلا كما ذكر أبو عمرو بن العلاء: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.
[ ٣٢ ]
رَبُّهُمْ -﷿- وَهُوَ أَعلَمُ مِنْهُم: ما يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبّحُونَكَ، وَيُكَبّرُونَكَ، وَيَحمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هلْ رَأَوْني؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا وَالله ما رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْني؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ، كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَحمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونَ؟ قَالَ: يَسْألونَكَ الجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهلْ رَأَوْها؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا والله يا رَبِّ ما رَأَوْها، قَالَ: فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ أَنّهُم رَأَوْهَا؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُم رَأَوْها، كَانُوا عَلَيْها أَشَدَّ حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَها طَلَبًا، وَأَعظَمَ فِيها
رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يمعَوَّذونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَقُولُ الله -﷿-: وَهلْ رَأَوْها؛ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَالله يا رَبِّ ما رَأَوها، قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوها؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْها، كَانُوا أَشَدَّ مِنْها فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَها مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: اشْهدُوا أنَي قَدْ غَفرتُ لَهُم، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فِيهِم فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِم جَلِيسُهُم" (١).
أخبرنا أبو حفص المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبي: ثنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: حدثني أبي: ثنا أسودُ بن عامر: ثنا جريرٌ، عن الحسنِ، عن رسولِ الله - ﷺ -، قالَ: "إِذَا جَلَسَ القَوْمُ يَذْكُرُونَ الله -﷿-،
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٤٥).
[ ٣٣ ]
قَالَ الله لِمَلائِكَتِهِ: إِنِّي قَدْ غَفَرتُ لَهم، فَجَلِّلُوهُم بِالرَّحْمَةِ، قَالَتِ المَلائِكَةُ: يا رَبَّنَا! إِنَّ فِيِهمْ فُلانًا، قَالَ: هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ" (١).
فَيَا مَنْ حَصَلَتْ لَهُ السَّعَادَةُ بِمُجَالَسَتِهِم! إِيَّاكَ أَنْ تَضُرَّ نَفْسَكَ بِعَدَاوَتهِمْ وَبُغْضِهِمْ، فَاغْتَنِمْ أَنْفَاسَهُمْ وَنُفُوسَهُمْ، فَهُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهمْ جَلِيسُهم، طُرُقُهُمْ مُسْتَقِيمَةٌ، وَمُصَاحَبَتُهم سليمةٌ، ونفوسُهم رحيمةٌ، فالربحُ لمن خدمهم، ومَنْ ليسَ منهم، فهم القومُ لا يشقَى بهم جليسُهم، لهم أحوالٌ ظاهرة، ونفوسٌ طاهرة، وقلوبٌ عامرة، وليس لهم رغبةٌ في الدنيا، وإنما رغبتُهم في الآخرة، فهم مغبطون في الدارين، بمنازلهم الظاهرة.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: ثنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبونعيبم: ثنا محمدُ بن جعفرٍ: ثنا جعفرُ بن محمدٍ: ثنا مالكُ بن إسماعيلَ، وعاصمُ بن عليٍّ، قالا: ثنا قيسُ بن الربيعِ: ثنا عمارةُ بن القعقاع، عن أبي زُرعةَ، عن عمرِو بن جريرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ -﵁-، قال: قالَ رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله نَاسًا ما هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِمَكَانِهم مِنَ الله -﷿-". فقال رجل: مَنْ هم، وما أعمالهُم؛ لعلَّنا نحبُّهم؟ قال: "قَوْمٌ يَتَحَابونَ بِروحِ الله -﷿- مِنْ غَيْرِ أرحَامٍ بَيْنَهُم، وَلا أَموَالٍ يَتَعَاطَوْنها بَيْنَهمْ، وَالله! إِنَّ وُجُوههُم لَنُورٌ، وإِنَّهُمْ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٥٨).
[ ٣٤ ]