وهذه قاعدةٌ معروفة من الناس: من تعبَ قليلًا، استراح طويلًا، ومن خافَ، أَدْلَجَ، ومن أدلجَ، بلغَ المنزلَ، ومن اجتهدَ، نالَ.
* وقد ذكر الله -﷿- كثيرًا من صفاتهم في كتابه؛ كقوله:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٦ - ١٩].
وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
أخبرنا أبو حفص المقرئُ: أنا أبو الحسن الموصليُّ: أنا المحبوبيُّ: أنبأ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالب اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرِ بن حمدانَ: أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمدَ: ثنا شيبانُ: ثنا أبو هلالٍ: ثنا بكرُ بن عبد الله المزنيُّ، قال: لما أُلقي إبراهيمُ -﵇- في النار، جأرت عامةُ الخليقةِ إلى ربها، فقالوا: يا ربِّ! خليلُك يُلقى في النار، فائْذَنْ لنا أن نُطفئَ عنه، قال: هو خليلي، ليس في في الأرض خليلٌ غيرُه، وأنا ربُّه، ليس له ربٌّ غيري، فإن استغاثَكُم، فَأغيثوه، وإلا، فدعوه. قال: فجاء مَلَكَ القَطْر فقالَ: يا ربّ! خليلُك يُلقى في النار، فائذنْ في أن أُطفئ عنه بالقَطْر، قال: هو خليلي، ليس لي في الأرض خليلٌ غيرُه، وأنا ربُّه، ليس له ربٌّ غيري، فإن استغاثك، فَأغِثْه، وإلا، فدعه، فلما أُلقي في النار، دعا ربَّه -﷿-، فقال الله:
[ ٦٥ ]
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، قال: فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب، فلم ينضَجْ بها كُراعٌ (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ، والفخرُ بن البخاري: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: أنا أحمدُ بن السنديِّ: ثنا الحسنُ بن علويه: ثنا إسماعيلُ: ثنا إسحاقُ بن بشرٍ، قال: قال مقاتلٌ وسعيدٌ: لما جيء بابراهيمَ - ﷺ -، فخلعوا ثيابه، وشدوا قماطه، ووُضع في المنجنيق، بكت السماءُ والأرض، والجبال والشمس والقمر، والعرش والكرسي والسحاب، والربح والملائكة، كلٌّ يقول: يا ربِّ! إبراهيمُ عبدُك بالنار يُحرق، فائذنْ لنا في نصرته، فقالت النار وبكت: يا ربِّ سَخَرتني لبني آدم، وعبدُك يحرَق بي، فأوحى الله إليهم: إن عبدي إيايَ عبدَ، وفي جنبي أوذي، إن دعاني، أجبته، وإن استنصركم، فانصروه. فلما رُمي استقبله جبريل -﵇- بين المنجنيق والنار، فقال: السلامُ عليك يا إبراهيمُ، أنا جبريل، ألك حاجةٌ؟ قال: أما إليك، فلا، حاجتي إلى الله ربي، فلما قُذف في النار، سبقه إسرافيلُ، فسلط النار على قِماطه فأكلته، وقال الله -﷿-: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فلو لم يخلط بالسلام، لمات فيها بردًا (٢).
فهذه النارُ التي هي أضرُّ شيء لبني آدم، أرادَ عدوُّ الله إحراقَ
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٩ - ٢٠).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٠).
[ ٦٦ ]