أخبرتنا فاطمةُ بنتُ عبد الله: أنا ابن ربذةَ: ثنا الطبرانيُّ: ثنا أبو بكرِ ابن سهلٍ: ثنا عمرُو بن هاشمٍ: ثنا سليمانُ بن أبي كريمةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ سَأَلَ عَنِّي، أَوْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ، فَلْيَنْظر إِلَى أَشْعَثَ شَاحِبٍ مُشَمِّرٍ، لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةً، وَلا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ، فَشَمَّرَ إِلَيْهِ، الْيَوْمَ المِضْمَارُ، وَغَدًا السِّبَاقُ، وَالغَايَةُ الجَنَّةُ أَوِ النَّارُ" (١).
فإن النبيَّ - ﷺ - كان على هذا الوصف، فمن كان بهذا الوصف، فهو شبيهُ النبي - ﷺ -.
* نظروا إلى باطنِ العاجلةِ وفسادِها، فرفضوها، وإلى الظاهرِ من الدنيا وزينتها، فتحققوا أنه خيال ووبال، فوضعوها.
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرِ بن حمدانَ: أنا عبد الله بن أحمدَ: حدثني أبي: ثنا غوثُ بن جابرٍ، قال: سمعتُ محمدَ بن داودَ يحدِّث عن أبيه، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: قالَ الحواريون: يا عيسى! مَنْ أولياءُ الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى بنُ مريمَ: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجِلِ الدنيا حين نظر الناس إلى عاجِلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يَثْنيهم، وتركوا ما علموا أن سيتركُهم؛ فصار استكثارهُم منها استقلالًا، وذكرُهم إياها فواتًا، وفرحُهم بما أصابوا منها حزنًا؛ فما
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣٢٤١).
[ ٤٧ ]
عارضَهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، وخَلَقَتْ الدنيا عندَهم، فليسوا يجدِّدونها، وخربَتْ بيوتهم، فليسوا يُعَمِّرونها، وماتت في صدورهم، فليسوا يُحيونها، يُهدمونها، فيبنون بها آخرتهم، ويُبيعونها، فيشترون بها ما تبقَّى لهم، ورفضوها، فكانوا فيها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت بهم المَثُلات، وأحيوا ذكرَ الموت، وأماتوا ذكرَ الحياة، يُحبون الله، ويحبون ذكرَه، ويستضيئون بنوره، ويضيئون به، لهم خبرٌ عجيب، وعندهم الخبرُ العجيب، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، وبهم عُلم الكتاب، وبه علموا، وليسوا يرون نائلًا مع ما نالوا، ولا أمانًا دون ما يرجون، ولا خوفًا دون ما يحذرون (١).
ولهذا روينا عن محمدِ بن واسعٍ: أنه كان له بيتٌ ورثه من والديه، فكان كما انهدم منه شيء، انتقل إلى غيره، حتى انتهى به الأمرُ إلى أنه لم يبقَ منهم غيرُ الدهليز، فانتقل إليه، فجعل كما انكسرت منه خشبةٌ، انتقل إلى تحت الأخرى، حتى لم يبق منه غير خشبة أو خشبتين، فانتقل إلى تحتها، فمات تحتها، فسقطت.
وكان الحسن يقول: لو فارق ذكرُ الموت قلبي، لفسدَ.
وقال -﵀-: "مَا لِي ولِلدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثلِي وَمَثلُ الدُّنْيَا، كَمَثلِ رَاكِبٍ قَالَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ في يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَها" (٢).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٠).
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٧٨٥٩) عن عبد الله بن مسعود -﵁-.
[ ٤٨ ]
وقال: "مَثلُ ابن آدَمَ وَالدُّنْيَا كَمَثلِ رَجُلٍ أَدخَلَ أُصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ تَرْجِعُ" (١).
وقال لابن عمرَ: "كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابرُ سَبِيلٍ".
وكانَ ابن عمَر [يقولُ]: إذا أصبحتَ، فلا تنتظرِ المساءَ، وإذا أمسيتَ، فلا تنتظرِ الصباحَ، وخُذْ من صِحَّتِكَ لمرضِك، ومن حياتِك لموتك (٢).
وقد ذكرتُ هذا الحديثَ مرةً عندَ بعضِ الأمراءِ، فقال: أنا والله كذلك، أُصبح أقولُ: ما أُمسي، وأُمسي أقول: ما تصبح.
فقلت له: كذبتَ والله.
فغضب، وقال: هكذا يا سيدي!
قلت: نعم، فإني أنا أظن أني أزهدُ منك.
قال: بكثير.
فقلت: مع هذا نفسي تحدثني أني أعيش خمسةَ آلافِ سنةً.
قال: خمسةَ آلافِ سنة؟!
قلتُ: نعم، وأكثر.
فقال: وهل عاش أحدٌ ذلك؟
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٣٢٣)، وابن ماجه (٤١٠٨) عن المستورد -﵁-.
(٢) رواه البخاري (٦٠٥٣).
[ ٤٩ ]
فقلت: ولو لم يعشْه، نفسي تؤمِّلُ أكثرَ من ذلك، وأنا أُثبتُ لك كذبَ ما تقولُ نفسُك.
وكان يُعَمِّر في عمارة عظيمة، وهو مجتهدٌ فيها.
فقلت: لو أمسككَ السلطانُ، وقالمالك: عشيةً أقتلُك، أو في غدٍ هنالك أكلٌ أو شربٌ أو جماعُ زوجةٍ، أَوَ كنتَ تجتهدُ في تمام هذه العمارة، أو تضحك؟!
فقال: لا.
فقلت: هذا يبين لك كذبَ هذا الأمر الذي تقوله بلسانك.
فالذي قلبُه مصدقٌ بهذا، ونفسُه مثلُ محمدِ بن واسع، ومثلُ ابن عمر، الذي لم يضع لَبِنةً على لَبِنةٍ.
وأما نحن، فكلُّ ما نحن فيه أقوالٌ باللسان، وليس ثَمَّ من الإيمان بشيء من ذلك، ولو كان إيمان، صدقَ القولَ العملُ.
وقلت مرة لبعض قُضاتنا: كلُّنا بقينا تيامنة.
قال: نعوذ بالله من الشيطان، لا والله! إنما نحن على حقيقة الإيمان.
فقلت: لا والله! إنما هو قول باللسان، ولو كان له حقيقةٌ، صدق القول العمل.
فإن التيامنة لا تؤمن بثواب ولا عقاب؛ فإن من آمن بالثواب والعقاب، خاف ورجا، ومن خاف ورجا، ارتكبَ واجتنَب، فارتكبَ
[ ٥٠ ]