المُظْلِمِ وَهم مِنْها في عَافِيَةٍ" (١).
* فمَنْ صاحَبَهم، سَلِم معهم، ومَنْ عاداهم وقاطَعَهم، وقعَ في المعامعِ والبلايا العِظام، أفرغ الله عليهمُ الصبرَ، وحماهم من الدنيا، وضَيَّقَ عليهم المعيشةَ، وهم قابِضُون على دينهم، كالقابضِ على الجمرِ، فالدنيا سِجْنُهم، ومحلُّ الشدائدِ عليهم.
واكتسابهم الأجرَ، إن أصابَتْهم المصائبُ، فَرَّجوها بالذكر، وإن تنفَّس لهم الدهرُ، وغمرتهم النعم، قابلوها بالحمد والشكر.
حظُّهم من الدنيا ناقص، ومن الآخرة خالص، يتلَذَّذون بالطاعة، ويَغْتَمُّون من البطالة والإضاعة، لا يَعْبَأُ الناسُ بهم ذَرَّة، ولو أقسمَ أحدُهم على الله لأبَرَّه.
وقد روينا في "الصحيح": "إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ" (٢).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ستُّ الأهلِ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المُهْتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيّ: أنا ابن المُذْهِب: أنا أبو بكرٍ القَطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: ثنا أبي: ثنا هيثمُ بن خارجةَ: ثنا إسماعيلُ بن عياشٍ، عن نعيمِ بن أبي []، عن شريحِ بن عبيدٍ، عن عتبةَ
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٦).
(٢) رواه البخاري (٢٥٥٦)، ومسلم (١٦٧٥)، عن أنس -﵁-.
[ ٣٩ ]
ابن عبد السلامِ، صاحبِ رسولِ الله - ﷺ -، قال: "إِنَّ العَبْدَ المُومِنَ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله -﷿- لأَبَرَّهُ".
وأخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا الصلاحُ بنُ أبي عمرَ: أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا محمدُ بن أحمدَ بن الحسنِ: ثنا محمدُ بن نصبر الصائغُ: ثنا إبراهيمُ ابن حمزةَ: ثنا ابن أبي حازيم، عن كثيرِ بن زيدٍ، عن الوليدِ بن رباحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "رُبَّ أَشْعَثَ ذِي طِمرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعيُنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله -﷿- لأَبَرَّهُ" (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: أنا أبو إسحاقَ بن حمزةَ: ثنا أحمدُ بن شعيبِ بن يزيدَ ح.
قال: وثنا إسحاقُ بن أحمدَ: أنا إبراهيمُ بن يوسفَ: ثنا محمدُ بن عزينر: ثنا سلامةُ بن روح: ثنا عقيلُ، عن ابن شهاب، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "كَمْ مِنْ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ذِي طِمرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ البَرَاءُ بنُ مَالِكٍ".
ثم إن البراءَ لقي زحفًا من المشركين، وقد أوجع المشركون في المسلمين، فقالوا له: يا براء! إن رسولَ الله - ﷺ - قال: لو أقسمتَ على ربِّكَ، لأبرك، فاَقْسِمْ على ربك. فقال: أقسمتُ عليكَ يا ربِّ لما منختَنا أكتافَهم، فمُنحوا أكتافَهم. ثم التقوا على قنطرةِ السوس، فأوجعوا في المسلمين، فقالوا: أقسمْ يا براءُ على ربك -﷿-،
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٧).
[ ٤٠ ]