بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَلَئِنْ سَأَلنِي عَبْدِي، أعطَيْتُهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي، أَعَذْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ، وَأَكْرَهُ أَنَا إِسَاءَتَهُ، أَوْ مَسَاءَتَهُ" (١).
وهكذا رأيتُه في "صحيح البخاري" في نسخة مغربية قديمة، وليس فيها: "فإذا أَحببتُه" (٢).
* فإياكَ إياكَ أن تنالَ أحدًا من أولياء الله بسوء، فيعاديَك، فَيُؤْذِنَكَ بالمحاربة، فتقعَ معه فيما لا قدرةَ لك على دفعه عن نفسك بالجنود.
الحذارَ الحذارَ، التوقِّي التوقِّي، لا تهلكْ نفسَك، لا يغرَّكَ الشيطانُ بالقوة الشيطانية، ولا تغترَّ بجنودِك وأعوانِك، وعساكرِك وإخوانِك.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
كَم من جَبَّارٍ تجبر، فبنى الحصونَ والدساكر، وجمعَ الجنودَ والعساكر، فما دفعت عنه الحصونُ التي بنى، وجف بها أنهاره والعساكر.
يا مجنون! أفق لنفسك، واعرف من أنت.
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٤).
(٢) رواه البخاري (٦١٣٧) عن أبي هريرة -﵁-، وفيه: "فإذا أحببته".
[ ٢٩ ]
أخبرنا القاضي أبو حفص: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا القاضي أبو أحمدَ محمدُ بن أحمدَ: ثنا الحسنُ بن عليٍّ: قرئ على أبي موسى محمدِ بن المثنى، قال: وثنا محمدُ بن الحسينِ بن سلمةَ بن أبي كبشةَ: أن أبا عامرٍ العقديَّ حدثهما: ثنا عبد الواحدِ بن ميمونٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ الله - ﷺ - يروي عن ربِّه -﷿-، قال: "مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا، فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي" (١).
فيا من استحلَّ محاربةَ ربِّه وخالقِه، ومن يقدرُ على هلاكه بقوله: مُتْ، فيموت، وذُبْ، فيذوب، وليسَ يقدرُ هو معه على شيء بالكلية!
ما أقلَّ عقلَكَ، وما أتعسَكَ! تأمَّلْ حالك، فينه كيف أرادَ أحالَكَ، ولا تُدخل نفسَك في محاربةِ ربِّك بأن تضرَّ أحدًا من أوليائه، أو تعادِيَه، أو تقعَ فيه في وجه من وجوه الأذى، حتى ولا بكلمة، فيكونَ ذلك سبَب هلاكِك وتعسِك في الدنيا والآخرة، فكف من واحدٍ أخمل نفسه بمثل ذلك!
أخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا أبو جعفرٍ، أنا أبو أبو عليّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا يحيى بن أيوبَ: ثنا سعيدُ بن أبي مريمَ: ثنا
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٥).
[ ٣٠ ]
نافعُ بن يزيدَ: حدثني عياشُ بن عياشٍ، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، قال: وجد عمرُ بن الخطابِ معاذَ بن جبلٍ قاعدًا عندَ القبرِ يبكي، فقال له عموُ: ما يبكيك؟ قال: يبكيني شيء سمعتُه من رسولِ الله - ﷺ -، سمعت رسولَ الله - ﷺ - يقول: "إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى أَوْلِيَاءِ الله، فَقَن بَارَزَ الله بِالمُحَارَبَةِ" (١).
فإياكَ أن تبارزَه بالمحاربة، فتقعَ فيما لا قدرع لك ولا لأحدٍ على دفعه، ولهذا قال الحافظُ أبو نعيم: كيف تستجيزُ نقيصةَ أولياءِ الله، ومؤذيهم يُؤْذِنُ بمحاربةِ الله؟! (٢).
فهذا المقام صانَ هذا الحافظَ من الخمولِ دَهْرَهُ، وأَعلى في الدارين قَدْرَهُ، ونشر في الخلق ذِكْرَهُ.
ووقوعُ الخطيب في كثيرٍ من الأخيارِ والفحول أوجبَ له الخمول، نعوذ بالله من ذلك (٣).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٥).
(٢) انظر: "حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ٤).
(٣) بل الخطيب البغدادي -﵀- قد طار ذكره في الآفاق، ولا شبهة عند كل لبيب أن المتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب- كما قال ابن نقطة-. وقد أثنى عليه جمع غفير من كبار العلماء؛ كالسمعاني، وابن ماكولا، وابن خلكان، وابن الأثير، والذهبي، وغيرهم. وما أحلى قول السبكي فيه كما في "طبقات الشافعية الكبرى"-: " فما طاف سورُها -يعني بغداد- على نظيره، يروي عن أفصح من نطق بالضاد، ولا أحاطت جوانبها بمثله، كان طفح ماء دجلتها وروّى كل صاد". أما ما انتقده عليه بعض العلماء من الوقوع في بعض الأئمة، فقد ذكر الخطيب =
[ ٣١ ]