قال: فأقبلت عليه فقلتُ: رحمك الله! إن لي عليك حقًا، قال: وما هو رحمك الله؟ قلت: كنت أسمعُ دعاءك حين خرجت إلى الجبان.
قال: فاصفرَّ وجهُه حتى أنكرتُه، وساءه ما قلتُ له. ثم خرجت من عنده.
فلما كان بعد ذلك بأيام، أتيتُه، فلما دخلتُ الدار، إذا هم يصيحون بقيِّمِ الدار: هو ذا، هو ذا قد جاء. فجاء إلى، فتعلق بي، وقال: يا عدوَّ نفسه! ما صنعتَ بذاك الفتى الذي جئته يوم كذا وكذا؟ أي شيء سمعته؟
فقلت: لا تعجَلْ حتى أُخبرك بالحديث، فقال: إنك لما خرجتَ من عنده، قام في الحال، فأخذ حصيرَه ومطهرتَه، وودَّعَنا، وخرج ولم يعدْ إلينا إلى الساعة.
فكم في الخلائق من واحدٍ هكذا!
* وربما قضى الله حاجةَ أحدِهم قبل أن يسأله إياها.
كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ وغيرُه: أنا والدي، والمزيُّ، وغيرُهما: أنا ابن أبي عمرَ، وابن البخاريِّ، وغيرُهما: أنا ابن الجوزيِّ: أنا عبد الله بن عليٍّ، ومحمدُ بن أبي منصورٍ: أنا طرادُ بن محمدٍ: أنا أبو الحسينِ بن بشرانَ: أنا ابن صفوانَ: أنا أبو بكرِ بن عبيدٍ: حدثني محمدُ بن الحسينِ: ثنا
داودُ بن المحبرِ، عن صالحٍ المريِّ، قال: كان عطاءٌ السلميُّ لا يكاد يدعو، إنما يدعو بعضُ أصحابه، ويؤمِّن هو.
[ ١٥٤ ]
قال: فحُبس بعضُ أصحابه، فقيل له: ألك حاجةِّ؟ قال: دعوةِّ من عطاءٍ أن يفرِّجَ الله عني.
قال صالح: فأتيته فقلتُ: يا أبا محمَّد! أما تحب أن يفرجَ الله عنك؟ قال: بلى والله! إني لأحبُّ ذلك، قلت: فإن جليسك فلانًا قد حُبس، فادعُ الله أن يفرج عنه. فرفع يديه وبكى وقال: إلهي! قد تعلم حاجتنا قبل أن نسألكها، فاقضها لنا.
قال صالح: فوالله! ما برحنا من البيت حتى دخل الرجل علينا.
فانظر بعينك؛ فإن الله -﷿- يعطيهم قبل أن يسألوه، فإياك منهم أن يخطر ببالهم الدعاءُ عليك، فتهلك.
فيا معشرَ مَنْ لا يعقل! تبصَّروا، وكُفُّوا عن أذى الناس وترويعهم.
أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا ابن الجوزيِّ: قرأت على أبي الفضلِ بن أبي منصورٍ، عن أبي القاسمِ بن الفسويِّ، عن عبد الله بن بَطَّةَ: أنا أبو بكرٍ الآجريُّ: أنا محمدُ بن البرديِّ: أنا أبو بكرٍ المروذِيُّ: سمعت أبا جعفرٍ البزازَ يقول: سمعت بِشْرًا يقول: ثنا حمادُ بن زيدٍ، عن ابن عونٍ: أنه كانت له حوانيتُ يُكريها. فكان لا يُكريها من المسلمين. فقيل له في ذلك، فقال: إن لها إذا جاء رأس الحول روعةً، وإني أكره أن أروع المسلم.
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا محمدُ بن ناصر: أنا المباركُ بن عبد الجبارِ: أنا أبو بكر محمدُ بن عليٍّ الخياطُ: أنا محمدُ بن أبي الفوارسِ: أنا أحمدُ بن جعفرٍ: أنا أحمدُ بن محمدٍ: أنا أبو بكرٍ
[ ١٥٥ ]
المروذِيُّ، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بن حنبلٍ، وذكر ابن عونٍ، فقال: كان لا يُكري دورَه من المسلمين. قلت: لأي علة؟ قال: لئلا يروِّعَهم.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: أنا أبو الأزهرِ ضمرةُ بن حمزةَ المقدسيُّ في كتابه، وحدثني عنه محمدُ بن إبراهيمَ: حدثني أبي: ثنا عبيدُ الله بن عبيدٍ: ثنا أبي: ثنا عبد الله بن إدريسَ، عن مالكِ بن دينارٍ، قال: احتبسَ علينا المطرُ، فخرجنا يومًا بعد يوم نستسقي، فلم نر أثرَ الإجابة، فخرجت أنا وعطاءٌ السلميُّ، وثابتٌ البنانيُّ، ومحمدُ بن واسعٍ، وحبيبٌ الفارسيُّ، وصالحٌ المريُّ في آخرين، حتى صرنا إلى المصلى بالبصرة، فاستسقينا، فلم نر أثر الإجابة، وانصرف الناس، وبقيت أنا وثابتٌ في المصلى، فلما أظلم الليل، إذا بأسودَ دقيقِ الساقين، عظيمِ البطنِ، عليه مئزران من صوف، فجاء إلى ماء فتمسح، ثم صلى ركعتين خفيفتين، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: يا سيدي! إلى كَمْ تردد عبادَكَ فيما لا ينقصُك؟! أَنَفِدَ ما عندَك، أم نفدَت خزائن قدرتك؟ أقسمتُ عليك بحبك لي إلا ما سقيتنا غيثك الساعةَ. فما أتمَّ الكلامَ حتى تغيمت السماءُ وأخذتنا كأفواه القرب، فما خرجنا حتى خُضْنا الماء، فتعجبنا من الأسود، فتعرضتُ له، فقلتُ: أما تستحي مما قلتَ؟ قال: وما قلتُ؟ قال كقولك: بحبك لي، وما يدريك أنه يحبك؟ قال: تنحَّ عن همتي يا من اشتغل عنه بنفسه، أين كنت أنا حين خصني بتوحيده وبمعرفته؟
[ ١٥٦ ]