ومن أطاعَ الله، أطاعته الأسدُ، وكذلك لما لقي مولى النبيِّ - ﷺ -، وأخبره أنه مولى رسولِ الله - ﷺ -، ذلَّ له، وخضعَ، وحملَه حتى بلَّغَه موضعَ قصده.
وكذلك شيبانُ الراعي ذلَّ له، وقال: لولا مكانُ الشهرة، ما وضعت زادي إلا على ظهره حتى آتي بيتَ الله (١).
وكذلك إبراهيمُ بن أدهمَ لما نامَ، جاء ثعلبُ، ومعه عِرْقُ رَيْحَان، وجعل يذبُّ عنه.
فالله -﷿- يحرسُهم بالمتالف.
* * *
* ولما كتب إلينا جماعةُ الرواد إلى أهل الصالحية التخويف، طُلب مني أن أكتبَ إليهم جوابَه، فكتبتُ ما هذه صورته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهو حسبي.
لا إلهَ إلا الله، محمدٌ رسول الله.
من العبدِ الفقيرِ يوسفَ بن عبد الهادي إلى كلِّ واقفٍ عليهِ.
أما بعدُ:
فإن الصالحيةَ محلُّ الصالحين، ودارُ المتقين، ولم يقصِدْها أحدٌ
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٦٩).
[ ١٤٣ ]
قطُّ بسوء وأفلَح، وتمرلنك -مع كفره وبغيه- أحرقَ جميعَ البلاد، ولم يتعرَّضْ إليها.
والمطلوبُ من أهلها الدعاءُ لكم، أو عليكم، فإنكم في أول الأمر حين أسلمتم [] دَعَوا لكم.
وإن كان قد نزل فيها عسرةٌ أو نحوها، لا يقدر أحدٌ من أهل الصالحية على ردهم، ولا [].
من الصالحية إن عمرت أو خربت، فلا برزوا لديه []، الصالحُ بالطالح، والأرضُ لله يُورِثها مَنْ يشاء من عباده، والعاقبةُ للمتقين.
وقد قال الله -﷿-: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
ومن أراد النصرَ والظفرَ في الدنيا والآخرة، فما [] ومراعاة مرضاته، والحذر كل الحذر مما يوجب غضبَ الله ومقتَه؛ من ظلم أحد، أو حرقِ قلبِ أحد، أو كسرِ قلبِ أحد؛ فقد قال النبيُّ - ﷺ - لمعاذٍ لما بعثَه إلى اليمن: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ" (١).
فإياكم إياكم إياكم من ظلم أحد، أو كسر قلب فقير، أو حرق
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٢٥)، ومسلم (١٩).
[ ١٤٤ ]
مكان، أو البغي على أحد لم يقع في حقكم بشيء؟ فانه ليس ثَمَّ شيءٌ أسرعَ عقابًا من البغي والجور.
فالحذار الحذار من أذى المسلمين، أو البغي عليهم.
وقد أنشدنا بعضُ شيوخنا:
إِذَا رَأَيْتَ ذَوِي بَغْيٍ فَقُلْ لَهُمُ سَتَنْدَمُونَ وَحَاذِرْ أَنْ تُسَاكِنَهُمْ
فَمِثْلُهُمْ في الوَرَى كَانُوا جَبَابِرَةً فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنَهُمْ
فمن أراد الملكَ والنصرَ والظفرَ، فعليه بتقوى الله -﷿ -؟
فقد قال الله -﷿-: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
قال ابن عباس: ﴿مَخْرَجًا﴾: من كل شدة وقع فيها.
وقال الله -﷿-: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
وقال عمر -﵁-: لا تطلبِ العزةَ إلا بالله.
ومن اتقى الله، وراقبه، لم يعذبِ الناسَ بعذابٍ عامٍّ من حريقٍ وغيره.
فكم يذهبُ في ذلك من مظلوم، وكم يوجِب من دعوة لا تُرَدُّ، وإذا أتاكم واحدٌ أو عشرةٌ من محلة، فآذيتم جميعَ أهل المحلة، أو حرقتموها، كم يصيب ذلك من مظلوم؛ من صغير وكبير، وذكر وأنثى
[ ١٤٥ ]
ممن يغضب الله لغضبه، ولا تُرَدُّ دعوتُه، فيكون ذلك سببَ المقت والطرد والكسر والحرمان.
وروي أن بعض الملوك أخربَ كوخًا لفقيرة، فلما شاهدَتْ ذلك، رفعت طَرْفَها إلى السماء، وقالت: يا ربِّ! أنا لم أكنْ، فأنتَ أين كنتَ؟ فأمرَ الله -﷿- جبريلَ أن يخسفَ به وبملكه.
ومن لم يراقب الله، لم يراقبه الله، وقد نهى النبيُّ - ﷺ - عن حرق الكفار، فكيف بحريق المسلمين؟!
ومن لم يستحْيِ من الله أن يُغضبه، لم يستحيِ الله منه أن يعذِّبَه.
وفي "الصحيحين" وغيرهما: عن النبي - ﷺ -، قال: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (١).
وقال النبيُّ - ﷺ -: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ
وَيَدهِ" (٢).
وقال: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ" (٣).
وقال: "شَرُّ النَّاِس مَنْزِلَةً عِنْدَ الله مَنْ انحطَّ في هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَأَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) عن أنس -﵁-.
(٢) رواه البخاري (١٠) عن ابن عمر -﵄-، ومسلم (٤١) عن جابر -﵄-.
(٣) رواه النسائي (٣٤٤٩)، والترمذي (١٣٩٥) عن ابن عمر -﵄-.
(٤) رواه الدارمي في "السنن" (٦٤٧).
[ ١٤٦ ]
وقال: "لا يَرْحَمُ الله مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ" (١).
وقال: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" (٢).
وقال: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِنْ كُلِّ شَقِيٍّ" (٣).
وقال النبيُّ - ﷺ -: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٤).
وكل [] من أشراط الساعة وعلاماتها، وقد أخبر النبيُّ - ﷺ - بذلك، فقال - ﷺ -: "أَمَامَكُمْ فِتَنٌ كَقِطَع اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، ويُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَه بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ" (٥).
قال أنسُ -﵁-: والله! رأيناهم أجسادًا لا عقولَ لهم، يبيع أحدُهم دينَه بدرهمٍ.
قلت: قد والله! رأينا في زماننا هذا مَنْ يبيع دينَه بغيرِ شيء.
وقال - ﷺ -: "تَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي فِيَها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَا أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ".
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩٤١)، ومسلم (٢٣١٩) عن جرير بن عبد الله -﵁-.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه أبو داود (٤٩٤٢) عن أبي هريرة -﵁-.
(٤) رواه أبو داود (٥٠٠٤) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب النبي - ﷺ -.
(٥) رواه الترمذي (٢١٩٥) عن أبي هريرة -﵁-.
[ ١٤٧ ]
فقال حذيفةُ -﵁-: أرأيتَ إن أدركَني ذلك كيف أصنع؟
قال: "ادْخُلْ بَيْتَكَ، وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ".
قال: أفرأيتَ لو دخلَ عليَّ بيتي؟
قال: "ادْخُلْ مَخْدَعَكَ".
قال: أرأيتَ إن دخلَ عليَّ مخدعي؟
قال: "غَطِّ عَيْنَيْكَ، وَكُنْ كَابن آدَمَ المَقْتُولِ [] وَلا تَقْتُلْ مُسْلِمًا".
وفي رواية: أرأيتَ إن دخلَ عليَّ أحدٌ يقتلني؟ قال: "قُلْ لَهُ: بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وَتَكُونُ مِنْ أَصحَابِ الجَنَّةِ".
فوالله! لزوالُ الدنيا كلِّها [] وجملة الفقراء، بل ويموت خير له من أن يُذهب آخرتَه، أو يقتل مسلمًا.
فالله الله يا عبادَ الله! فقد أظلَّتكُم الساعةُ وقيامُها، وخروجُ الدجال؛ فإن هذا الذي أنتم فيه من جملة علاماته وظهوره؛ فإني أظن [أنه] خارجٌ فيكم لا محالةَ، وهذه أيامُه وعلاماته.
وقد قال النبيُّ - ﷺ -: "إِذَا وَقَعَ السَّيْفُ في أُمَّتِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَجٌ إِلا الدَّجَّالُ".
وقد رُوي عن أُهبان بن صَيفيٍّ، وكان من فرسان الإِسلام: أنه جاء إليه عليُّ بن أبي طالبٍ يريد منه أن يركبَ معه يقاتلُ معه، فقال له: إن خليلي وابن عمِّك عَهِدَ إليَّ إذا اختلفَ الناسُ: أن اتخذَ سيفًا من خشب،
[ ١٤٨ ]