أجامعكم، وإذا اجتمعتم، لم أفارقكم (١).
ولما أُصيب عمرُ -﵁-، آيسه منها، فقال لأصحاب الشورى: يشهدُكم عبد الله، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزيةِ له، فلم يلتفتْ إليها بعدَ ذلك، ولم يُرِدْها، ولم يقاتلْ عليها حين قاتل الناسُ عليها، وكان المرجعُ إليه، والإقتداءُ في الدنيا من الخلفاء وغيرهم، حتى إن الخليفةَ عبد الملك بن مروان بعثَ إلى نائبه الحجاجِ أن يقتديَ به في أمر الحجِّ، وأن يجعلهَ قدوةَ جميعِ الناس فيه، وأن يكونَ له تبعًا في ذلك.
حتى إن الحجاجَ ركبَ، وجاء إلى خدمته لأجل الاقتداء به، ومشى في خدمته، حتى إنه لمَّا أصيب في قدمه، قال له الحجاج: لو نعلمُ من أصابك؟ قال: أنت أصبتني، قال: وكيف أصبتك؟ قال: حملتَ السلاحَ في يوم لم يكن يُحمل فيه، وأدخلتَ السلاحَ الحرمَ، ولم يكن السلاحُ يدخل الحرم (٢).
* فهذا المقام الذي كان فيه، وصار إليه، أعظمُ وأكبرُ وأجلُّ والله من مقام الخلافة؛ فإن قدوتهم كانت به، فهم محتاجون إليه، وليس به حاجة إليهم، فهو كان في مقام الإقتداء لهم ولغيرهم، وهذا مقام السلطنة الكبرى.
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ:
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٤).
(٢) رواه البخاري (٩٢٣) عن سعيد بن جبير.
[ ٧٨ ]
ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ: ثنا عبد العزيزِ بن أبي روادٍ: ثنا نافعٌ، قال: دخل ابن عمرَ -﵁- الكعبةَ، فسمعتُه وهو ساجد يقول: قد تعلمُ ما يمنعني من مزاحمة قريشٍ على هذه الدنيا إلا خوفُك (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا القاضي عبد الله بن محمدِ بن عمرَ: ثنا عليُّ بن سعيدٍ: ثنا عبادُ بن الوليدِ: ثنا قرةُ بن حبيبٍ: ثنا عبد الله بن بكرٍ، عن عبيدِ الله (٢) بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أنه أتاه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أنت ابن عمرَ، وصاحبُ رسولِ الله - ﷺوذكر من مناقبه-، فما يمنعك من هذا الأمر؟ قال: يمنعني أن الله تعالى حَرَّم عليَّ دم المسلم.
قال فإن الله -﷿ - يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣].
قال: قد فعلْنا، قاتلناهم حتى كان الدينُ لله، فأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكونَ فتنةٌ، ويكونَ الدينُ لغير الله -﷿- (٣).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا زينبُ بنتُ الكمالِ: أنا يوسفُ بن خليلٍ: أنا ابن أبي زيدٍ: أنا الصيرفيُّ: أنا ابن فاذشاه: أنا الطبرانيُّ: ثنا عبد الله بن أحمدَ بن حنبلٍ: ثنا الحكمُ بن
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٢).
(٢) في الأصل: "عبد الله" بدل "عبيد الله".
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
[ ٧٩ ]
موسى: ثنا إسماعيلُ بن عياش: حدثني المطعمُ بن المقدامِ الصنعانيُّ، قال: كتبَ الحجاجُ بن يوسفَ إلى عبد الله بن عمرَ: بلغني أنك طلبتَ الخلافةَ، وإن الخلافةَ لا تصلُح لِعَيِيٍّ، ولا بخيلٍ، ولا غيورٍ.
فكتب إليه ابن عمرَ: أما ما ذكرتَ من الخلافة أني طلبتُها، فما طلبتُها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرتَ من العيِّ والبخلِ والغيرة، فإنَّ من جمعَ كتابَ الله، فليسَ بعييِّ، ومن أَدَّى زكاةَ ماله، فليس ببخيل، وأما ما ذكرتَ من الغيرة، فإن أحقَّ ما غِرْتُ فيه ولدي أن يشرَكني فيه غيري (١).
أخبرنا أبو حفص المقرىُ: أنا الإمامُ أبو الحسن الموصليُّ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ستُّ الأهلِ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكر أحمدُ بن حمدانَ القطيعيُّ: أنا الإمامُ أبو عبد الرحمن عبد الله بنُ الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا ابن ادريسَ: ثنا حصينٌ، عن سالمِ بن أبي الجعد، عن جابرٍ، قال: ما رأيتُ، أو ما أدركتُ أحدًا إلا قد مالَتْ به الدنيا، أو مال بها، إلا عبد الله بن عمرَ (٢).
فأما قولُ هذا المُبيرِ: إنه لا يصلُح للخلافة، وإنه أرادها، فهذا كذبٌ وافتراء.
وأما قوله: إنها لا تصلُح لعيي ولا بخيل ولا غيور.
يتهمه بالعِيِّ، فإن هذا عينُ الكذبِ والإفتراء، فقد كانَ من أشجع
_________________
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣٠٤٨).
(٢) ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٤).
[ ٨٠ ]
الصحابة، ومن أكرم الصحابة، ووألله! ما بينه وبين أستاذِ الحجاجِ عبد الملكِ بن مروانَ مسافة في الكرم؛ فإن عبد الملك مشهورٌ بالبخل، وقد ذكره غيرُ واحد من العلماء من البخلاء، وعدُّوا ابن عمرَ من الأجواد.
كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادٌ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا محمدُ بن يزيدَ: ثنا عبد العزيزِ بن أبي روادٍ، عن نافعٍ، قال: كان ابن عمرَ إذا اشتدَّ عُجْبُه بشيء من ماله، قَرَّبه لربه -﷿-.
قال نافع: وكان رقيقهُ قد عرفوا ذلك منه، فربما شَمَّرَ أحدُهم، فيلزم المسجدَ، فاذا رآه ابن عمرَ -رضي الله تعالى عنه- على تلك الحالة الحسنة، أعتقه.
فيقول له أصحابه: يا أبا عبد الرحمن! والله! ما بهم إلا أن يخدعوك.
فيقول: من خَدَعَنا بالله -﷿-، انخدَعْنا له.
قال نافع: فلقد رأيتنا ذاتَ عشية، وراح ابن عمرَ على نجيبٍ له قد أخذه بمال، فلما أعجبه سيرُه، أناخَهُ مكانه، ثم نزلَ عنه، فقال: يا نافع! انزعوا زمامَه ورحلَه وجَلِّلوه وأَشْعِروه وأَدخلوه في البُدْن (١).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
[ ٨١ ]
فكان لا يعجبه شيء من ماله إلا قَدَّمه لله -﷿ -. وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا أبو العباسِ الثقفيُّ: ثنا محمدُ بن الصباحِ: ثنا سفيانُ، عن عبيدِ الله، عن نافعٍ، قال: بينا ابن عمرَ يسير على ناقة، إذ أعجبتْهُ، فقال: إخ إخ، فأناخها، ثم قال: يا نافعّ! حُطَّ عنها الرحلَ، فكنتُ أرى أنه لشيء يريده، أو لشيء رابَهُ منها، فحططتُ الرحلَ.
فقال لي: انظرْ هل ترى عليها مثلَ رأسها.
فقلت: أنشدك إنك إن شئت بعتها، واشتريت بثمنها.
قال فجللها، وقلَّدها، وجعلَها في بُدْنِه، وما أعجبَه من ماله شيء قَطُّ إلا قَدَّمه (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن محمدِ بن سنانَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا عمرُو بن زُرارةَ: ثنا أبو عبيدةَ الحدادُ، عن عبد الله بن أبي عثمانَ، قال: كان عبد الله بن عمرَ أعتقَ جاريتَه التي يقال لها: رُمَيثة، فقال: إني سمعتُ الله -﷿- قال في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وإني والله! إن كنتُ لأحبُّك في الدنيا، اذهبي فأنت [حرة] لوجه الله -﷿- (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا القاضي أبو أحمدَ: ثنا جعفرُ بن محمدٍ: ثنا محمدُ بن سعيدٍ: ثنا أبو عاصمٍ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن إبراهيمَ بن
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٥).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٥).
[ ٨٢ ]
مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمرَ، قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، دعا ابن عمرَ جاريةً له، فأعتقها (١).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرىُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: حدثني أبي: ثنا عبد الأعلى، عن بردٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أنه كان لا يُعجبه شيء من ماله إلا خرج منه لله -﷿-.
قال: وكان ربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا.
قال: وأعطاه ابن عامرٍ ثلاثين ألفًا، فقال: يا نافعُ! إني أخاف أن تفتنني دراهمُ ابن عامر، اذهبْ فأنت حرٌّ.
قال: وكان لا يُدْمِنُ اللحمَ شهرًا إلا إذا كان مسافرًا، أو في رمضان، وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مُزْعَة لحم (٢).
وبه إلى الطبرانيِّ: ثنا محمدُ بن السَّرِيِّ: ثنا الحكمُ بن موسى: ثنا يحيى بن حمزةَ: عن بردِ بن سنان، عن نافعٍ، قال: إنْ كان ابن عمرَ ليقسمُ في المجلسِ الواحدِ ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل فيه مُزْعَةً لحم (٣).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٥).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٥).
(٣) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣٠٤٥).
[ ٨٣ ]
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا خالدُ بن حيانَ: ثنا عيسى بن كثيرٍ، عن ميمونِ بن مهرانَ، قال: أتت ابن عمر اثنان وعشرون ألفَ دينار في مجلس، فلم يقم حتى فرقها (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا أبو همامٍ: ثنا عمرُ بن عبد الواحدِ، عن عمرَ بن محمدٍ، عن نافعِ، قال: ما ماتَ ابن عمرَ حتى أعتقَ ألفَ إنسانٍ، أو زادَ (٢).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ: ثنا عاصم -يعني: ابن محمدٍ- عن أبيه، قال: أعطى ابن جعفرٍ بنافعٍ عشرةَ آلاف، أو ألفَ دينارٍ، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن! فما تنتظر أن تبيع؟ قال: فهلا ما هو خير من ذلك، هو حرٌّ لوجه الله -﷿- (٣).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا وكيعٌ: ثنا المغيرةُ بن زيادٍ، عن نافعٍ، قال: باع ابن عمر أرضًا له بمئتي ناقة، فحمل على مئة منها في سبيل الله، واشترط على أصحابها أن لا يبيعوا حتى يجاوزوا بها وادي القرى (٤).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن محمدِ بن سنانَ: ثنا أبو العباسِ السراجُ: ثنا عمرُو بن زرارةَ: ثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، أن
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٦).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٦).
(٣) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٦).
(٤) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٦).
[ ٨٤ ]
معاويةَ بعثَ إلى ابن عمرَ مَائةَ ألف، فما حالَ الحولُ وعنده منها شيء (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا الحسنُ بن محمدٍ: ثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ: ثنا سليمانُ بن حربٍ: ثنا أبو هلالٍ: ثنا أيوبُ بن وائلٍ، قالَ: قدمتُ المدينة، فأخبرني رجلٌ جارٌ لابن عمرَ: أنه أتى ابن عمرَ أربعةُ اَلافٍ من قِبل معاويةَ، وأربعةُ اَلافٍ من قِبَلِ آخرَ، وألفانِ من قبل آخر، وقطيفةٌ فجاء إلى السوق يريد عَلَفًا لراحلته بدرهمٍ نسيئةً، فقد عرفتُ الذي جاءه، فأتيتُ سُرِّيته فقلت: إني أريد أن أسألكِ عن شيء، وأحبُّ أن تَصْدُقيني.
فقلتُ: أليس قد أتت أبا عبد الرحمن أربعةُ آلاف من قِبل معاوية، وأربعةُ آلاف من قِبل إنسان آخر، وألفان من قِبل آخرَ، وقطيفة؟
قالت: بلى.
قلت: فإني رأيتُه يطلب عَلَفًا بدرهمٍ نسيئةً.
قالت: ما بات حتى فَرَّقها، فأخذَ القطيفةَ فألقاها على ظهره، ثم ذهبَ فوجَّهها، ثم جاء.
فقلت: يا معشر التجار! ما تصنعون بالدنيا، وابن عمر أتته البارحة عشرةُ آلاف درهم، فأصبح اليوم يطلب لراحلته عَلَفًا بدرهم نسيئة (٢)؟!
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٦).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
[ ٨٥ ]
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا أبو يزيدَ القراطيسيُّ: ثنا نعيمُ بن حمادٍ: ثنا ابن المباركِ، عن عمرَ بن محمدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أنه اشتكى، فاشترى له عنقود عنب بدرهم، فجاء مسكينٌ، فقال: أَعطُوه إياه، قال: فأعطَوه إياه، فخالف إليه إنسانٌ، فاشتراه منه بدرهم، ثم جاء به إليه، فجاء المسكينُ يسأل، فقال: أَعطوه إياه، فأعطوه إياه، فخالف إنسان، فاشتراه منه بدرهم، ثم جاء به إليه، فجاءه المسكينُ يسأل، فقال: أَعطوه إياه، ثم خالف إنسان، فاشتراه منه بدرهم، فأراد أن يرجع، فمنع، وأتى به فأكله، ولو علم ابن عمر بذلك العنقود، ما ذاقه (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا يزيدُ بن هارونَ: ثنا مستلمُ بن سعيدٍ الثقفيُّ، عن حبيبِ بن عبد الرحمن، عن نافعٍ: أن ابن عمرَ اشتهى عنبًا وهو مريض، فاشتريتُ له عنقودًا بدرهم، فجئت به، فوضعته في يده، فجاء سائل، فقام على الباب فسأل، فقال ابن عمر: ادفعْه في يده، قال: قلت: كلْ منهُ، ذُقْه، قال: لا، ادفعْه إليه، فدفعتُه إليه، قال: فاشتريتُه منه بدرهم، فجئت به إليه، فوضعته في يده، فعاد السائل، فقال ابن عمر: ادفعْه إليه، قلتُ: ذُقْه، كُلْ منه، قال: ادفعْه إليه، فدفعتُه، فما زال يعود السائل ويأمر بدفعه إليه حتى قلتُ للسائل في الثالثة أو الرابعة: ويحكَ! ما تستحي؟ فاشتريتُه منه بدرهم، فجئت به إليه، فأكله (٢).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" «١/ ٢٩٧).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٧).
[ ٨٦ ]
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا الليثُ بن سعدٍ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ: أن عبد الله بن عمر -﵁- نزل الجُحْفَة وهو شاكٍ، فقال: إني لأشتهي حيتانًا، فالتمسوا له، فلم يجدوا له إلا حوتًا واحدًا، فأخذَتْه امرأته صفيةُ بنتُ أبي عبيد، فصنعته، ثم قربته إليه، فأتاه مسكينٌ حتى وقف عليه، فقال له [ابن] عمر: خذه، فقال أهلُه: سبحانَ الله! قد عَنَّيْتَنا، ومعنا زادٌ نعطيه، فقال: إن عبد الله يحبُّه (١).
وكان لا يحبُّ شيئًا إلا خرجَ عنه لله.
وبه إلى أبي نعيمِ: ثنا أبو محمدِ بن حيانَ: ثنا أبو يحيى الرازيُّ: ثنا هنادُ بن السريِّ: ثنا قَبيصةُ بن عقبةَ: ثنا قيسُ بن سليمٍ العنبريُّ، عن أبي بكرِ بن حفصٍ: أن عمرَ بن سعدٍ قال: اشتكى ابن عمر، فاشتهى حوتًا، فصُنع له، فلما وُضع بين يديه، جاء سائل، فقال: أعطوه الحوتَ، قالت امرأتُه: نعطيه درهمًا، فهو أنفعُ له من هذا، واقْضِ أنتَ شهوتَك منه، فقال: شهوتي ما أريد (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا محمدُ بن عليٍّ: ثنا الحسينُ بن أبي معشرٍ: ثنا أبو الخطابِ: ثنا حاتمُ بن وردانَ: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: اشتهى ابن عمر -﵁- حوتًا، فاشتريتُ له سمكة، فشُويت، فوُضعت بين يديه، فجاء سائل يسأل، فأمر بها كما هي، ما ذاق منها
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٧).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٨).
[ ٨٧ ]
شيئًا، فقالوا: نعطيه خيرًا من ثمنها، فأبى (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا كثيرُ بن هشامٍ: ثنا جعفرُ بن برقانَ: ثنا ميمونُ بن مهرانَ: أن امرأةَ ابن عمر عوتبت فيه، فقيل لها: أما تلطفين بهذا الشيخ؟ فقالت: فما أصنعُ به؟ لا نصنع له طعامًا إلا دعا عليه من يأكله، فأرسلَتْ إلى قوم من المساكين كانوا يجلسون في طريقه إذا خرج من المسجد، فأعطتهم، وقالت لهم: لا تجلسوا بطريقه، ثم جاء إلى بيته، فقال: أرسلوا إلى فلان، وإلى فلان، وكانت امرأته أرسلتْ إليهم بطعام، وقالت: إن دعاكم، فلا تأتوه، فقال ابن عمر: أردتم أن لا أتعشى الليلةَ، فلم يتعشَّ تلك الليلة (٢).
ولو ذهبنا نذكر جميعَ حكايات كرمه وجوده، وخيره ودينه، لطال بنا الأمر، وبلغ عدة مجلدات، وكل ذلك يردُّ قولَ هذا الغبيِّ (٣) الذي قد أفسدَ على نفسه أمرَ آخرته؛ من أنه بخيل، وكيف افترى ذلك وتقوَّله، وحكاياتُ بخلهِ وبخلِ أستاذه (٤) مشهورةٌ.
* وقد ذكر ابنُ عبدِ ربِّه عبدَ الملكِ يذمه، وأنَّه من البخلاء [].
وذكر عنه حكاياتٍ عديدةً في ذلك، منها:
أنه أكل عنده مرة أعرابي، فتأخر بعد الناس، فجعل يلاحظه، فقال
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٨).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٨).
(٣) يعني: الحجَّاج.
(٤) يعني: عبد الملك بن مروان.
[ ٨٨ ]