ورقاءَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما بعثَ الله -﷿- موسى وهارون إلى فرعون، قال: لا يغرنكما لباسُه الذي ألبستُه، فإن ناصيتهُ بيدي، فلا ينطقُ ولا ينظرُ ولا يطرِفُ إلا بإذنى، ولا يغرنكما ما مُتِّع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين، فلو شئتُ أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء يعرف فرعون أن قدرتَه تعجزُ عن ذلك، لفعلتُ، وليس ذلك لهوانكما عليَّ، ولكني ألبستكماَ نصيبكما من الكرامة؛ على أن لا ينقصكما شيئًا، وإني لأذودُ أوليائي عن الدنيا كما يذودُ الراعي إبلَه عن مَبَارِكِ الغرة، وإني لأُجنبهم زينةَ الدنيا؛ كما يُجنبُ الراعي إبلَه عن مراتع الهلَكَة، أريدُ أن أنور بذلك مراتبهم، وأُطَهر بذلك قلوبَهم، في سيماهم الذي يعرفون به، وأَمرِهم الذي يفتخرون به، واعلمْ أنه من أخاف في وليًا، فقد بارزني بالعداوة، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة (١).
* فمن بارزهم بالعداوة، فقد بارز الله، ولن يعجزه، والله هو وليُهم ومولاهم في الدنيا والآخرة، وهو الآخذُ بثأرهم في الدنيا والآخرة.
فيا مَنْ نصبَ نفسَه لمعاداة الخالق، وجعلَه خصمَه وعدوَّه، والثائرَ عليه!
أين تهرب؟ وبأيِّ حصنٍ تتحصَّن؟ وبأيِّ أعوانٍ وعددٍ تتقوىَ؟
فإذا لقيتَ من اتصف بأدنى صفاتهم، فأذلَّ لهم نفسَك، واخفضْ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٦١).
[ ٥٢ ]
لهم جناحَك، واحرص على خدمتهم ومرافقتهم، تنلِ (١) السعادةَ في الدارين.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن السنديِّ: ثنا الحسنُ بن علويه القطانُ: ثنا إسماعيلُ بن عيسى: ثنا إسحاقُ بن بشرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ ح.
قال أبو نعيمٍ: وثنا أبي: ثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ: ثنا محمدُ بن سهلٍ: ثنا إسماعيلُ بن عبد الكريمِ: حدثني عبد الصمدِ بن معقلٍ، سمعتُ وهبَ بن منبهٍ يقولُ: لما بعثَ الله -﷿- موسى وأخاه هارون إلى فرعون، قال: لا يعجبنكما زينتُه، ولا ما مُتَعّ به، ولا تَمُدَّا إلى ذلك أعينَكما؛ فإنها زهرةُ الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلمُ فرعونُ حين ينظر إليها أن مقدرته تعجزُ عن مثل ما أُوتيتما، فعلتُ، ولكني أرغبُ بكما عن ذلك، وأزوِّيه عنكما، وكذلك أفعلُ بأوليائي، وقديمًا ما خرتُ لهم في ذلك، فإني لأذودُهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيقُ غنمَه عن مراتع الهلكة، وإني لأنّجَنبهم شهوتَها وعيشتَها كما يجنبُ الراعي الشفيقُ إبلَه عن مبارِكِ الغرة، وما ذلك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبَهم من كرامتي سالمًا موفرًا، لم تكلِمْه الدنيا، ولم يُطْغِه الهوى، واعلم أنه لم
_________________
(١) في الأصل: "تنال".
[ ٥٣ ]