له: يا أعرابي! على لقمتك شعرة، فقال الأعرابي: وإنك لتلاحظني ملاحظةَ مَنْ يرى الشعرةَ على لقمتي! والله! لا أكلت بعدها على مائدتك قط.
إلى غير ذلك من الحكايات الردية.
فيا لله العجب! كيف نالته الخلافة مع ذلك.
* عدنا إلى وصف الأبرار الأخيار، الذين من آذاهم أو ضرهم أو عاداهم، أكبه الله وأتعس ماله، وأخمله وأخمل مقاله، وأفسد حاله، ونكس أعلامه، وأذل رجاله.
من عادى ربه كيف يسعد؟! ومن بارزه بالمحاربة كيف يحمد؟! لا تغتر بكثير أعوانك، ولا بجنودك، وكبير سلطانك، ولا يغرنك الشيطان بكثرة الأعوان، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٤٩]، ومن كان مع الله، كان الله معه، ومن زرع التقوى، حمد عند الحصاد ما زرعه، ومن دعاه، سمعه، ومن استغاث به، نفعه.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا أبو نعيمٍ: ثنا أبو أحمدَ محمدُ بن أحمدَ: ثنا الحسنُ بن محمدِ بن بهرام: ثنا يحيى بن أيوبَ: ثنا عبادُ بن عبادٍ: ثنا الحجاجُ بن فرافضةَ، عن رجلين سماهما، عن الزهريِّ، عن عبيدِ الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ: أن رسولَ الله - ﷺ - قالَ له: "يَا غُلامُ! أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ
[ ٨٩ ]
يَنْفَعُكَ الله -﷿- بِهِنَّ؟ احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِالله، جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَلَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يَكْتُبْهُ الله لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَعَلى أَنْ يَمْنَعُوكَ شَيْئًا كَتَبَهُ الله لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَاعْمَلْ لله بِالرِّضَا في اليَقِينِ، وَاعْلَمْ أَنَّ في الصَّبْرَ عَلَى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" (١).
وقد قال الله -﷿- في كتابه ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦].
قالوا: ولن يغلب عسرٌ يُسرينِ.
وبه إلى الحافظِ أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن السنديِّ: ثنا الحسنُ بن علويه: ثنا إسماعيلُ بن عيسى: ثنا إسحاقُ بن بشرِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: أنه قال: يا صاحبَ الذنب! لا تأمنْ من سوء عاقبته، ولَمَا يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، فأولُ ذلك قلةُ حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب أعظمُ من الذنب الذي عملته، وضحكُك وأنت لا تدري ما الله صانعٌ بك أعظمُ من الذنب، وفرحُك بالذنب إذا ظفرتَ به أعظمُ من الذنب، وجرأَتُكَ على الذنبِ أعظمُ من الذنبِ إذا ظفرتَ به، وخوفُك من الريح إذا حركَتْ سترَ بابك وأنتَ على الذنبِ لا يضطربُ فؤادُك من نظرِ الله إليكَ أعظمُ من
_________________
(١) ورواه هناد بن السري في "الزهد" (١/ ٣٠٤).
[ ٩٠ ]