إذن - أخي الحبيب - لو استطاعت القلوب أن تتجه بكليتها إلى الله في كل وقت، ويئست من الناس، ولم تتعلق بأحد منهم، لكان الفرج متواصلًا في السراء والضراء، ولكن طبيعة النفس، وانخداعها بالمظاهر والقوى الوهمية تجعل البعض يظن أن الخير قد يأتيه من وراء الباطل، وأن بإمكان الباطل أن ينسى عداوته للحق وأهله، أو يفتح معهم صفحة جديدة، ومن ثم يكون هناك تعلق بالله وبالأسباب الأرضية معًا.
أما حين تأتي المحن فإنها تُظهر زيف الباطل، وتنزع عنه قناعه ليظهر وجهه القبيح، وتكشف رغبته في زوال الحق، وأن كل أفعاله التي ينخدع بها البعض لم تكن إلا ستارًا يخفي من ورائه خططه واستراتيجياته لمحو الحق وتشويه صورته.
فيكون هذا الموقف من أهل الباطل بمثابة المفاجأة والصدمة للجميع، ليجد أهل الحق أنفسهم في العراء، بعد أن حطم زلزال الباطل أحلامهم وأمانيهم، فيبحثون حولهم فلا يجدون شيئًا مما كانوا ينتظرون أن يجدوه، فالكل تخلى عنهم، فإذا ما راجعوا أنفسهم وعادوا إلى إيمانهم، وإلى الأساس الذي انطلقت منه دعوتهم، واتجهوا إلى الله، ودخلوا عليه دخول البائس المسكين الذي لن ينجيه أو يطعمه أو يسقيه سواه
عند ذلك يأتي الفرج، وتصبح هذه المحن من أعظم المنح، لأنها تُعيد الجميع إلى الله، وتحطم كل تعلق بغيره، فينطبق حالهم حينئذ مع قوله تعالى: ﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
إن المحن مع شدتها وقسوتها إلا أنها تحمل في طياتها خيرًا عظيمًا إذا ما أحسن أصحاب الدعوة تحليلها وتفطنوا لمراد الله منها.
لمن قامت الدعوة؟!
لقد قامت الدعوة لنصرة الله وإقامة دينه ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وشعارها الخالد (الله غايتنا).
فمن يومها الأول وهي دعوة ربانية تستمد قوتها ووقودها من قوة إيمان أبنائها بالله وتعلقهم به وتجردهم له ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
هذه هي الحقيقة الأساسية التي قامت عليها الدعوة، وكيف لا والله ﷿ هو مالك كل شيء، وقائم على كل شيء، ومهيمن على كل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .. أحاط بكل شيء علمًا .. يقدم ويؤخر، يخفض ويرفع، يعز ويذل، يقبض ويبسط، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ..
معنى ذلك أن الذي يفتح القلوب للدعوة هو الله ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١].
والذي يختار لها الأنصار هو الله ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
والذي يحميها ويكفيها ويحفظها هو الله ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠].
والذي يبتليها - تطهيرًا أو تذكيرًا - هو الله ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣].
والذي سيمكنها وينصرها هو الله ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
[ ٥ ]
إن مقتضى هذه الحقائق يؤكد على أن جهد أبناء الدعوة ينبغي أن يتجه أولًا وقبل أي شيء، نحو الله ﷾ لاستجلاب رضاه ومعيته وكفايته.
نعم، لا بد من بذل الجهد في دعوة الناس وإيقاظهم، وإقامة المشروع الإسلامي ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، ولكن تبقى الحقيقة بأن الأمر كله لله ﴿وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣].
لا تحزن إن الله معنا:
ولك أن تتصور رسول الله ﷺ وهو مهاجر مع صاحبه أبي بكر ﵁، وإذ بكل قوى الباطل تتبعهم، حتى يصل المشركون إلى فم الغار، فيخاف أبو بكر خوفًا شديدًا على رسول الله - ﷺ -، وعلى الدعوة، ويقول لرسول الله ﷺ: يا نبي الله لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا .. إن قُتلتُ فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلتَ أنت هلكت الأمة، ليفاجأ بأن الرسول ﷺ لم يتأثر بهذه المخاوف، بل كان هادئ النفس، رابط الجأش، على ثقة مطلقة بالله ﷿، وبدا ذلك واضحًا من إجابته على ما أثاره أبو بكر من مخاوف: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا .. (١).
نعم، أخي الحبيب، لا ينبغي علينا أن نحزن إن كان الله معنا ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥].
_________________
(١) الرحيق المختوم.
[ ٦ ]