بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ يسّر وأعن
قال الشيخ الإمام، العالم، العلامة، شمس الأعلام، لسان المتكلمين، أوحد العلماء العاملين، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي ﵀: الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، حمدًا إذا قابل النعم وفَى، وسلامًا إذا بلغ المصطَفين شفَى، وخصّ الله بخاصة ذلك نبينا المصطفى، ومن احتذى حذوه من أصحابه وأتباعه واقتفى، وفقنا لسلوك طريقهم فإِنه إذا وفّق كفى.
كتاب "حلية الأولياء"
أما بعد: فإِنك الطالب الصادق، والمريد المحقق لمّا نظرتَ في كتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصبهاني أعجبك ذكر الصالحين والأخيار، ورأيته دواء لأدواء النفس، إلا أنك شكوتَ من إطالته بالأحاديث المسندة التي لا تليق به وبكلامٍ عن بعض المذكورين كثير قليل الفائدة، وسألتَني أن أختصره لك وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك، إلا أنه لم يكشف لك كل الأمر، وأنا أكشفه لك فأقول:
مساوئه:
اعلم أن كتاب الحلية قد حوى من الأحاديث والحكايات جملة حسنة إلا أنه تكدّر بأشياء وفاتته أشياء.
فالأشياء التي تكدر بها عشرة:
الأول: أن هذا الكتاب إنما وضع لذكر أخبار الأخيار، وإنما يراد من ذكرهم شرْح أحوالهم وأخلاقهم ليقتدي بها السالك، فقد ذكر فيه أسماء جماعة ثم لم ينقل عنهم شيئًا من ذلك، ذكر عنهم ما يروونه عن غيرهم أو ما يسندونه من الحديث، كما ملأ ترجمة هشام بن حسان بما يروى عن الحسن، وتلك الحكايات ينبغي أن تدخل في ترجمة الحسن لا في ترجمة هشام، وكذلك ملأ ترجمة جعفر بن سليمان بما يروى عن مالك بن دينار ونظرائه، ولم يذكر له عنه شيئًا.
[ ١ / ٩ ]
والثاني: أنه قصد ما ينقل عن الرجل المذكور، ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا، مِثْلَ ما ملأ ترجمة مجاهد بقطعة من تفسيره، وترجمة عكرمة بقطعة من تفسيره، وترجمة كعب الأحبار بقطعة من التوراة وليس هذا بموضع هذه الأشياء.
والثالث: أنه أعاد أخبارًا كثيرة مثل ما ذكر في ترجمة الحسن البصري من كلامه، ثم أعاده في تراجم أصحابه الذين يَروْنَ كلامه، وذكر في ترجمة أبي سليمان الداراني من كلامه، وأعاده في ترجمة أحمد بن أبي الحواري بروايته عن أبي سليمان.
والرابع: أنه أطال بذكر الأحاديث المرفوعة التي يرويها الشخص الواحد فينسى ما وُضع له ذِكر الرجل من بيان آدابه وأخلاقه، كما ذكر شُعبة وسفيان ومالك وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم، فإنه ذكر عن كل واحد من هؤلاء من الأحاديث التي يرويها مرفوعة جملة كثيرة، ومعلوم أن مثل كتابه الذي يقصد به مداواة القلوب إنما وُضع لبيان أخلاق القوم لا الأحاديث، ولكل مقام مقال، ثم لو كانت الأحاديث التي ذكرها من أحاديث الزهد اللائقة بالكتاب لَقَرُبَ الأمر، ولكنها من كل فن، وعمومها من أحاديث الأحكام والضعاف. أو لو كان اقتصر على الغريب من روايات المكثرين، أو رخم ما يرويه المقلون كما روي عن الجنيد أنه لم يُسنِد إلا حديثًا واحدًا لكان ذِكْرُ مثلِ هذا حسنًا لكنه أمعن فيما لا يتعلق ذكره بالكتاب.
والخامس: أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرةً باطلة وموضوعة، فقصد بذكرها تكثير حديثه وتنفيقُ رواياته، ولم يبين أنها موضوعة ومعلوم أن جمهور المائلين إلى التبرّر يخفى عليهم الصحيح من غيره، فَسَتْرُ ذلك عنهم غشٌ من الطبيب لا نصح.
والسادس: السجع البارد في التراجم، الذي لا يكاد يحتوي على معنى صحيح خصوصًا في ذكر حدود التصوف.
والسابع: إضافة التصوف إلى كبار السادات كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وشُريحْ وسفيان وشعبة ومالك والشافعي وأحمد وليس عند هؤلاء القوم خَبَر من التصوف.
فإن قال قائل: إنما عنى به الزهد في الدنيا وهؤلاء زهاد،
قلنا: التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد بل له صفات وأخلاق يعرفها أربابه ولولا أنه أمر زِيدَ على الزهد ما نُقل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمّه، فانه قد رَوى أبو نُعيم في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: "التصوف مبني على
[ ١ / ١٠ ]
الكسل، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق".وقد ذكرتُ الكلام في التصوف ووسّعتُ القول فيه في كتابي المسمى بتلبيس إِبليس.
والثامن: أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين كلامًا أطال به لا طائل فيه، تارةً لا يكون في ذلك الكلام معنى صحيح كجمهورِ ما ذَكر عن الحارث المحاسبي وأحمد بن عاصم، وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق بالكتاب، وهذا خلل في صناعة التصنيف، وإنما ينبغي للمصنف أن ينتقي فيتوقّى ولا يكون كحاطب ليل فالنِّطاف العِذاب تروي لا البحر.
والتاسع: أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلها، فربما سمعها المبتدئ القليل العِلم فظنها حسنةً فاحتذاها، مثل ما روي عن أبي حمزة الصوفي أنه وقع في بئر فجاء رجلان فَطمّاها، فلم ينطق حملًا لنفسه على التوكل بزعمه، وسكوت هذا الرجل في مثل هذا المقام إِعانة على نفسه وذلك لا يحل، ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحال، كما لم يخرج رسول الله ﷺ من التوكل بإِخفائه الخروج من مكة واستئجاره دليلًا واستكتامه، واستكفائه ذلك الأمر واستتار في الغار، وقوله لسُراقة: "أخفِ عنا".
فالتوكل الممدوح لا يُنال بفعل محذور، وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه، وبيان ذلك أن الله ﷿ قد خلق للآدمي آلة يدافع بها عن نفسه الضرر وآلة يجتلب بها النفع، فإذا عطلها مدعيًا للتوكل كان جهلًا بالتوكل وردًّا لحكمة الواضع لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله سبحانه وليس من ضرورته قطع الأسباب، ولو أن إنسانًا جاع فلم يأكل، أو احتاج فلم يسأل، أو عري فلم يلبس، فمات دخل النار، لأنه قد دُلّ على طريق السلامة فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه.
وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا محمد ابن قال أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن العباس بن أيوب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يونس الرّقي قال: حدثنا مُطَرِف بن مازن عن الثوري قال: "من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار".
قلت: ولا التفات إلى أبي حمزة في حكايته "فجاء أسد فأخرجني"، فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقًا، وقد يكون لطفًا من الله تعالى بالعبد الجاهل، ولا يُنكر أن يكون الله تعالى لطف به، إنما يُنكر فعلُه الذي هو كسبه، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة الله تعالى عنده وقد أُمر بحفظها.
وكذلك روى عن الشبلي أنه كان إذا لبس ثوبًا خرقه وكان يحرق والخبزَ والأطعمةَ
[ ١ / ١١ ]
التي ينتفع بها الناسُ بالنار، فلما سئل عن هذا احتج بقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ وهذا في غاية القبح لأن سليمان ﵇ نبي معصوم فلم يفعل إلا ما يجوز له، وقد قيل في التفسير أنه مسح على نواصيها وسُوقها وقال: أنت في سبيل الله، وإن قلنا أنه عَقرها فقد أطعمها الناس، وأكْل لحم الخيل جائز، فأما هذا الفعل الذي حكاه عن الشبلي فلا يجوز في شريعتنا فإن رسول الله. ﷺ نهى عن إضاعة المال وحكى عنه لما مات ولده حلق لحيته وقال: قد جزت أمّه شعرها على مفقود أفلا أحلق أنا لحيتي على موجود؟
إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوعِ منها شرعًا.
والعاشر: أنه خلط في ترتيب القوم فقدّم من ينبغي أن يؤخر وآخر من ينبغي أن يقدّم، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل، ولا على ترتيب المواليد، ولا جمع أهل كل بلد في مكان، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط، خصوصًا في أواخر الكتاب فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أُنس بالنقل انكشف له ما أشرت إليه.
وأما الأشياء التي فاتته فأهمها ثلاثة أشياء:
أحدها: أنه لم يذكر سيد الزهاد وأمام الكل وقدوة الخلق وهو نبينا. ﷺ فانه المتَّبَعُ طريقه المقتدي بحاله.
والثاني: أنه ترك ذكر خلق كثير قد نُقل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير، ولا يجوز أن يُحمل ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذكر دون غيرهم، فإِنه قد ذكر خلقًا لم يُعرفوا بالزهد ولم ينقل عنهم شيء وربما ذكر الرجل فأسند عنه أبيات شعرٍ فحسب، ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء، وتقصيره في ذلك ظاهر.
والثالث: أنه لم يذكر من عوابد النساء إلا عددًا قليلًا، ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنوثية، يوثِب المقصّر من الذكور، فقد كان سفيان الثوري ينتفع برابعة ويتأدب بكلامها.
وقد حداني جِدّك أيها المريد، في طلب أخبار الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتابًا يغنيك عنه ويحصّل لك المقصود منه، ويزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم، وأخبار لم ينقلها، وجماعة وُلدوا بعد وفاته، وينقص عنه بترك جماعة قد ذكرهم لم ينقل عنهم كبير شيء وحكاياتٍ قد ذكرها، فبعضها لا ينبغي التشاغل به، وبعضها لا يليق بالكتاب على ما سبق بيانه.
[ ١ / ١٢ ]
فصل: في بيان وضع كتابنا والكشف عن قاعدته.
وضع كتاب "الصفوة" وطريقته:
لما كان المقصود بوضع مثل هذا الكتاب ذكر أخبار العاملين بالعمل، الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح، ذكرت من هذه حاله دون مَن اشتهر بمجرد العلم ولم يشتهر بالزهد والتعبد.
ولما سَمّيتُ كتابي هذا "صفة الصفوة" رأيت أن افتتحه بذكر نبينا محمد. ﷺ فإِنه صفوة الخلق وقدوة العالم.
فإِن قال قائل: فهلاّ ذكرت الأنبياء قبله فإِنهم صفوة أيضًا؟.
فالجواب: إن كتابنا هذا إنما وُضع لمُداواة القلوب وترقيقها وإصلاحها، وإنما نُقل إلينا أخبار آحاد من الأنبياء ثم لم يُنقل في أخبار أولئك الآحاد ما يناسب كتابنا إلا أن يُذكر عن عبّاد بني إسرائيل ما حملوا على أنفسهم من التشديد، أو عن عيسى ﵇ وأصحابه ما يقتضيه الترهبن، وذلك منقسم إلى ما تبعد صحته، والى ما نهى عنه في شرعنا، وقد ثبت أن نبينا. ﷺ أفضل الأنبياء وان أمته خير الأمم، وأن شريعته حاكمة على جميع الشرائع، فلذلك اقتصرنا على ذكره وذكر أمته.
فصل: في بيان ترتيب كتابنا
أنا أبتدئ بتوفيق الله سبحانه ومعونته فأذكر بابًا في فضل الأولياء الصالحين، ثم أردفه بذكر نبينا محمد. ﷺ وشرح أحواله وآدابه وما يتعلق به، ثم أذكر المشتهرين من أصحابه بالعلم المقترن بالزهد والتعبد، وآتي بهم على طبقاتهم في الفضل ثم أذكر المصطفيات من الصحابيات على ذلك القانون، ثم اذكر التابعين ومَن بعدهم على طبقاتهم في بلدانهم.
وقد طفت الأرض بفكري شرقًا وغربًا، واستخرجت كل من يصلح ذكره في هذا الكتاب من جميع البقاع. ورب بلدة عظيمة لم أَرَ فيها من يصلح لكتابنا. وقد حصرتُ أهل كل بلدة
[ ١ / ١٣ ]
فيها وترتيبهم على طبقاتهم: أبدأ بمن يُعرف اسمه من الرجال، ثم اذكر بعد ذلك من لم يُعرف اسمه، فإِذا انتهى ذكرت عابدات ذلك البلد على ذلك القانون، وربما كان في أهل البلد من عقلاء المجانين من يصلح ذكره من الرجال والنساء فاذكره.
وإنما ضبطت هذا الترتيب تسهيلًا للطلب على الطالب، ولما لم يكن بدّ من مركز يكون كنقطة للدائرة رأيت أن مركزنا وهو بغداد أولى من غيره، إلا أنه لما لم يمكن تقديمها على المدينة ومكة لشرفهما، بدأت بالمدينة لانها دار الهجرة، ثم ثنّيت بمكة ثم ذكرت الطائف لقربها من مكة ثم اليمن وعدت إلى مركزنا بغداد فذكرت المصطَفين منها ثم انحدرت إلى المدائن ونزلتُ إلى واسط، ثم إلى البصرة، ثم إلى الأُبلّة ثم عَبّادان ثم تستْر ثم شيراز ثم كرَمان ثم أرّجان ثم سجستان ثم دَيْبُل ثم البحرين ثم اليمامة ثم الدِينَورَ ثم همذان ثم قَزوين ثم أصبهان ثم الرّي ثم دامغان ثم بِسطام ثم نَيسابور ثم طُوس ثم هراة ثم مَرو ثم بَلْخ ثم تِرمِذ ثم بخاري ثم فرغانة ثم نخشب.
ثم ذكرت عبّاد المشرق المجهولين البلاد والأسماء، فلما انتهى ذكر أهل المشرق عدنا إلى مركزنا وارتقينا منه إلى المغرب، وقد ذكرنا أهل عُكْبَرا ثم الموصل ثم البرقةِ ثم طبقات أهل الشام ثم المقْدِسيين، ثم أهل جبلة ثم أهل العواصم والثغور، ثم من لم يعرف بلده من عبّاد أهل الشام، ثم عسقلان ثم مصر ثم الإسكندرية ثم المغرب، ثم عبّاد الجبال، ثم عبّاد الجزائر، ثم عبّاد السواحل، ثم أهل البوادي والفلوات، ثم من لم نعرف له مستقرًا من العبّاد وإنما لُقي في طريق: فمنهم من لقي في مكة، ومنهم من لُقي بعرفة، ومنهم من لقي في الطواف، ومنهم من لُقي في غزاة، ومنهم من لقي في طريق سفر أو طريق سياحة.
ثم ذكرت من لم يُعرف له اسم ولا مكان من العباد. ثم ذكرت طرفًا من أخبار بنيات صغار تكلمن بكلام العابدات الكبار ثم ذكرت طرفًا من أخبار عبّاد الجن فختمت بذلك الكتاب والله الموفق.
وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نُقل مما يليق بهذا الكتاب ولا أنقل كل ما نقل، إذ لكل شيء صناعة، وصناعة العقل حسن الاختيار، وكما أني لا أذكر ما لا يصلح أن يقتدى به ممن هو في صورة العلماء والزهاد. وقد تجوزت بذكر جماعة من المتصوفة وردت عنهم كلمات منكرة وكلمات حسان، فانتخبت من محاسن أقوالهم لأن
[ ١ / ١٤ ]
الحكمة ضالة المؤمن، ومع تنقّينا وتوقينا وحذف من لا يصلح وما لا يصلح، فقد زاد عدد من في كتابنا على ألف شخص: يزيد الرجال على ثمإنمائة زيادة بيّنة، وتزيد النساء على مائتين زيادة كثيرة. ولم يبلغ عدد رجال "الحلية" الذين ذكرت أحوالهم في تراجمهم ستمائة، بل قد ذكر جماعة لم يذكر لهم شيئا ولا أظنه ذكر في جميع الكتاب عشرين امرأة.
والى الله سبحانه أرغب في النفع بكلمات المتقين.
واللحوق بدرجات أهل اليقين.
أنه ولي ذلك والقادر عليه.
[ ١ / ١٥ ]