يكنى أبا محمد دخل على رسول الله ﷺ دار الأرقم وكتم إسلامه وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرا فلما علموا به حبسوه فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى ثم خرج في الهجرة الثانية وكان من انعم الناس عيشا قبل إسلامه فلما أسلم زهد في الدنيا فتحسف جلده تحسف الحية وبعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أن بايع الأنصار البيعة الأولى يفقههم ويقرئهم القرآن وكان يأتيهم في دورهم فيدعوهم إلى الإسلام فأسلم منهم خلق كثير وفشا الإسلام فيهم وكتب إلى رسول الله ﷺ يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له فجمع بهم في دار خيثمة.
ثم قدم على رسول الله ﷺ مع السبعين الذين وافوه في العقبة الثانية فأقام بمكة قليلا ثم قدم قبل رسول الله ﷺ المدينة فهو أول من قدمها.
وعن ابن شهاب قال لما بايع أهل العقبة رسول الله ﷺ ورجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام سرا وتلوا عليهم القرآن وبعثوا إلى رسول الله ﷺ معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا من قبلك فليدع الناس بكتاب الله فانه قمن أن يتبع فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير فلم يزل يدعو امنا ويهدي الله تعالى على يده حتى قل دار من دور الأنصار إلا قد أسلم أشرافهم. أسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم وكان المسلمون أعز أهل المدينة. فرجع مصعب إلى رسول الله ﷺ وكان يدعى المقريء.
_________________
(١) هو: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب السيد الشهيد السابق البدري القرشي العبدري.
[ ١ / ١٤٧ ]
قال ابن شهاب: وكان أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ.
وعن البراء قال أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير١.
وعن عمر بن الخطاب قال نظر النبي. ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه اهاب كبش قد تنطق به فقال النبي. ﷺ: "انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبوين يغدوان بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون".
وعن محمد بن شرحبيل قال حمل مصعب اللواء يوم أحد فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فاقبل ابن قميئة فضرب يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضربها فقطعها فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فانفذه.
وكان مصعب رقيق البشرة ليس بالطويل ولا بالقصير قيل وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئا.
وقال ابن سعد وقال عبد الله بن الفضل قتل مصعب وأخذ اللواء ملك في صورته فجعل النبي ﷺ يقول له في آخر النهار تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك وقال لست بمصعب فعرف النبي ﷺ أنه ملك أيد به.
وعن عبيد بن عمير قال لما فرغ رسول الله ﷺ من أحد مر على مصعب بن عمير مقتولا على طريقه فقرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] الآية وعن خباب قال هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله ﷿ فمنا من مضى ولم يأكل من اجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم نجد له شيئا نكفنه فيه إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فامرنا رسول الله أن نغطي بها رأسه ونجعل على رأسه اذخرا ومنا من اينعت له ثمرته فهو يهدبها٢ أخرجاه في الصحيحين.
_________________
(١) ١ أنظر كنز العمال ١١/٧٤٧. رقم ٣٣٦٥٠. وحلية الأولياء ١/١٥٣. رقم ٣٤٣. ٢ صحيح: أخرجه البخاري في كتاب الجنائز حديث ١٢٧٦. باب ٢٧. إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطى رأسه ومسلم في كتاب الجنائز حديث ٩٤٠.
[ ١ / ١٤٨ ]