يكنى أبا عبد الرحمن. واسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. وأردفه رسول الله ﷺ وراءه٢، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب.
وكان له من الولد: عبد الرحمن، وأم عبد الله، وولد آخر لم يُذكر اسمه.
ذكر صفته:
عن أبي بحرية قال: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى حوله الناس جعدٍ قططٍ، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل.
اسم أبي بحرية: يزيد بن قطيب السكوني.
وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد دمشق فاذا حلقةٌ فيها كهولٌ من أصحاب
_________________
(١) ٢ صحيح: أخرجه البخاري في الجهاد حديث ٢٨٥٦. باب ٤٦. اسم الفرس والحمار.
[ ١ / ١٨٥ ]
محمد ﷺ، وإذا شاب فيهم أكحل العين برّاق الثنايا. كلما اختلفوا في شيء ردّوه إلى الفتى. قال: قلت لجليسٍ لي: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل.
وعن الواقدي، عن أشياخ له قالوا: كان معاذ رجلًا طُوالًا أبيض حسن الشعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعدًا قططًا.
ذكر نبذة من زهده:
عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرَّة فقال للغلام اذهب بها إلى عبيدة بن الجراح ثم تَلَّه ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع.
فذهب الغلام، قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. قال: وصله الله ورحمه. ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها.
فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل، وتلّه في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. فذهب بها إليه قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك فقال: ﵀ ووصله. تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوةٌ بعضهم من بعض١.
ذكر نبذة من ورعه:
عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان فاذا كان عند احداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء.
وعن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان. فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام، والناس في شغل، فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تُقدَّم في القبر.
ذكر نبذة من تعبده واجتهاده:
عن ثور بن يزيد قال قال: كان معاذ بن جبل إذا تهجَّد من الليل قال: اللهم قد نامَت العُيون
_________________
(١) ١ أنظر سير أعلام النبلاء ٣/٢٨٦. والطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣٠٠. وحلية الأولياء ١/٣٠١ رقم ٨٠٧.
[ ١ / ١٨٦ ]
وغارت النجوم وأنت حي قيوم، اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هُدىً ترده إليّ يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
ذكر جوده وكرمه:
عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابًا جميلًا سمحًا من خير شباب قومه لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، حتى أدّان دَينًا أغلق ماله. فكلم رسول الله ﷺ أن يكلم غُرماءه أن يضعوا له شيئًا ففعل فلم يضعوا له شيئًا. فدعاه النبي ﷺ فلم يبرح حتى باع ماله فقسمه بين غرمائه، فقام معاذ لا مال له١.
قال الشيخ ﵀: كان غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا له شيئًا.
ذكر ثناء رسول الله ﷺ على معاذ ومشبه معه وهو راكب:
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل" ٢ رواه الإمام أحمد.
وعن عاصم بن حميد، عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته. فلما فرغ قال: " يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري". فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: " إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا" ٣.
ذكر ثناء الصحابة عليه:
عن شهر بن حوشب قال: قال عمر بن الخطاب: لو استخلفت معاذ بن جبل فسألني عنه ربي ﷿: ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك ﷺ يقول: " إن العلماء إذا حضروا ربهم ﷿ كان بين أيديهم رتوةً بحجر" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح: أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/٢٩٥. رقم ٧٨٣. والحاكم في معرفة الصحابة ٥١٧٩. ٢ صحيح: أخرجه الترمذي في المناقب حديث ٣٧٩١. باب ٣٢. فضائل معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي وأبي عبيدة بن الجراح ﵁. وأحمد في المسند حديث ١٢٩٠٣. ٣ حسن أخرجه أحمد في المسند حديث ٢٢١١٥. ٤ أخرجه: أبو نعيم في الحلية حديث ٧٧١. وصححه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة حديث ١٠٩١. والرتوة أي الرمية.
[ ١ / ١٨٧ ]
وعن الشعبي قال: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمّة قانتًا لله حنيفًا. فقيل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] . فقال: ما نسيتُ، هل تدري ما الأمّة، وما القانت؟ فقلت. الله أعلم فقال، الأمّة، الذي يعلم الخير والقانت: المطيع لله ﷿ وللرسول. وكان معاذ بن جبل يعلّم الناس الخير، وكان مطيعًا لله ﷿ ورسوله١.
وعن شهر بن هوشب قال. كان أصحاب محمد إذا تحدّثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبةً له.
ذكر نبذة من مواعظه وكلامه:
عن أبي إدريس الخولاني، أن معاذ بن جبل قال: إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والصغير والكبير، والأحمر والأسود، فيوشك قائل أن يقول: مالي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره. إياكم وإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغه الحكيم فإن الشيطان يقول: عليّ في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال: هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه؟ فلا يثنكم، فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون.
وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني. قال: وهل أنت مطيعي؟ قال: إني على طاعتك لحريص. قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتنّ إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم.
وعن معاوية بن قُرّة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني إذا صليت فصلّ صلاة مودّع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا، واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين، حسنة قدمها وحسنة أخرها.
وعن أبي ادريس الخولاني قال: قال معاذ. إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى رب عند ذلك رغباتٍ رواهما الإمام أحمد.
_________________
(١) ١ صحيح: أخرجه الحاكم في معرفة الصحابة رقم ٥١٨٨. وأبو نعيم في الحلية رقم ٧٧٧، ٧٧٨.
[ ١ / ١٨٨ ]
وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه، فقال. إني موصيك بأمرين أن حفظّهما حفظت، إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظامًا فتزول به معك أينما زلت.
وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ فقال: اجلسوا بنا نُؤمِنُ ساعةً.
وعن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة، عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب، ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغنى وكلفن الفقير مالا يجد.
ذكر مرضه ووفاته:
عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام فاستغرقها فقال الناس: ما هذا إلا الطوفان إلا أنه ليس بماء فبلغ معاذ بن جبل فقام خطيبًا فقال: إنه قد بلغني ما تقولون، وإنما هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وكموت الصالحين قبلكم، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك، أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمنٌ هو أو منافق وخافوا إمارة الصبيان.
وعن شهر بن حوشب، عن رابّه رجل من قومه، كان شهد طاعون عمواس قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة بن الجراح في الناس خطيبًا فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوةُ نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظه.
قال: وطُعن فمات رحمة الله عليه واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيبًا بعده فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمةُ ربكم ودعوةُ نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم، وإن معاذًا يسأل الله أن أن يقسم لآل معاذ منه حظه.
قال: فطعن ابنه عبد الرحمن. قال ثم قام فدعا ربه لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئًا من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو ابن العاص.
وعن عبد الله بن رافع قال: لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل. واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز. فقال: إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم، وشهادةٌ يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس، أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء
[ ١ / ١٨٩ ]
منها قالوا: وما هنَّ؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل: والله لا أدري على ما أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطي الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة. فطُعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين.
ثم طُعنت امرأتاه فهلكتا وطُعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارِك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هَلك.
وعن الحارث بن عمير قال: طُعن معاذ وأبو عبيدة وشُرحبيل ابن حسنة، وأبو مالك الأشعري في يوم واحد. فقال معاذ: إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبضُ الصالحين من قبلكم، اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة. فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بكره الذي كان يكنى به وأحبَّ الخلق إليه. فرجع من المسجد فوجده مكروبًا فقال يا عبد الرحمن كيف أنت؟ فقال: يا أبة ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] فقال معاذ: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين. فأمسكه ليلته ثم دفنه من الغد. فطعن معاذ فقال حين اشتد به نزع الموت فنزع نزعًا لم ينزعه أحد وكان كلما أفاق من غمرة فتح عينيه ثم قال رب اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك١.
وعن عمر بن قيس عمن حدثه عن معاذ قال، لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ قال: فأتي فقيل: لم نصبح حتى أتى في بعض ذلك فقيل له: قد أصبحت. فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها النار، مرحبًا بالموت مرحبًا، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللهم إني قد كنت أخافك وأن اليوم أرجوك، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري النهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
اتفق أهل التاريخ أن معاذًا ﵁ مات في طاعون عمواس يناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة، واختلفوا في عمره على قولين أحدهما ثمان وثلاثون سنة، والثاني ثلاث وثلاثون.
وعن سعيد بن المسيب قال رُفع عيسى بن مريم وهو ابن ثلاث وثلاثين، ومات معاذ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
وعن سعيد بن المسيب قال قبض معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث وثلاثين أو أربع وثلاثين سنة.
_________________
(١) ١ أنظر سير أعلام النبلاء ٣/٢٨٩. وحلية الأولياء ٨١٢.
[ ١ / ١٩٠ ]