أمه فاطمة بنت أسد وكان أسن من علي ﵇ بعشر سنين وله من الولد عبد الله وبه يكنى ومحمد وعون ولد بأرض الحبشة امهم اسماء بنت عميس أسلم جعفر قديما وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ومعه امرأته أسماء فلم يزل هنالك حتى قدم على النبي ﷺ وهو بخير سنة سبع فقال النبي ﷺ: "ما ادري بايهما أنا افرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر".
عن أم سلمة قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي. آمننا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وان يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة فجمعوا له أدما كثيرًا ولم يتركوا منن بطارقته بطريقا إلا اهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل ان تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا إلى النجاشي هداياه ثم سلوه ان يسلمهم إليكم قبل ان يكلمهم.
فخرجا فقدما على النجاشي فدفعا إلى كل بطريق هديته وقالا أنه قد صبا إلى بلدكم منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاؤوا بدين مبتدع وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا على الملك بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فان قومهم أعلى بهم عينا فقالوا: نعم.
ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم ثم كلماه فقالا له أيها الملك أنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا واعلم بما عابوا عليهم فقالت بطارقته صدقوا فأسلمهم إليهما.
فغضب النجاشي ثم قال لا هيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا اكاد قوما جاورني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم فان كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما وان كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قال ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله. ﷺ فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به
[ ١ / ١٩٥ ]
نبينا. ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دينٍ آخر من هذه الأمم؟
قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القويُّ الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله ﷿ إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله ﷿ لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآبائنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار وكفٍ عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة. وامرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاٌ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنا به فعبدنا الله ﷿ وحده لم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرًّم علينا واحلننا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفَتنونا على ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وان نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين قومنا خرجنا إلى بلدك فاخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ان لا يظلم عندك ايها الملك.
قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن وجل شيء قالت فقال له جعفر نعم قال قال فاقره علي فقرا عليه صدرا من ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] فبكى والله النجاشي حتى اخضل ليحته وبكت اساقفته حتى اخضلوا مصاحفكم ثم قال النجاشي ان هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا.
قالت فلما خرج من عنده قال عمرو بن العاص والله لاتينه غدا اعيبهم عنده بما استاصل به خضراءهم فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان اتقى الرجلين فينا لا تفعل فان لهم أرحاما. فقال والله لأخبرنه انهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
قالت ثم غدا عليه من الغد فقال له أيها الملك انهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.
قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا نقول والله فيه ما قال فيه الله ﷿ وما جاء به نبينا كائن في ذلك ما هو كائن.
[ ١ / ١٩٦ ]
فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى ابن مريم قال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا. ﷺ هو عبد الله وروحه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قال فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قتل هذا العود ثم قال اذهبوا فانتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي رواه الإمام أحمد بن حنبل١ ﵁.
وعن أبي بردة عن أبيه قال امرنا رسول الله. ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية فآتياه بها فقبلها ثم قالا أن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرض الملك فبعث إلينا فقال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحدًا أنا خطيبكم اليوم فلما انتهينا بدرنا من عنده فقال اسجدوا للملك فقال جعفر لا نسجد إلا الله فذكر نحو الحديث المتقدم فقال النجاشي مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده وأنا أشهد أنه رسول الله وانه بشر به عيسى ﵇ ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعله.
وعن عمير بن إسحاق قال حدثني عمرو بن العاص قال لما آتينا باب النجاشي ناديت ائذن لعمرو بن العاص فنادى جعفر من خلفي ائذن لحزب الله فسمع صوته فادن له قبلي.
وعن أبي هريرة قال كان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونهم وكان رسول الله ﷺ يسميه أبا المساكين٢.
ذكر وفاته ﵁:
قتل جعفر بن أبي طالب بمؤتة سنة ثمان من الهجرة.
عن ابن عمر قال وجدنا فيما أقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه تسعين ضربة ما بين طعنة برمح وضربه بسيف.
وعن أنس بن مالك ان النبي. ﷺ نعى جعفرا وزيدا نعاهما قبل ان يجيء خبرهما وعيناه تذرفان.
_________________
(١) ١ حسن: أخرجه أحمد في المسند حديث ١٧٤٠- ٤٤٠٠. ٢ صحيح: أخرجه البخاري في فضائل الصحابة حديث ٣٧٠٨. باب ١٠. مناقب جعفر بن أبي طالب ﵁.
[ ١ / ١٩٧ ]