وفي اسمه خلاف كثير قد ذكرته في كتابي المسمى "بالتلقيح".
وكان أبو ذر طوالًا آدم، وكان يتعبد قبل مبعث رسول الله. ﷺ وأسلم بمكة قديمًا وقال: كنت في الإسلام رابعًا. ورجع إلى بلاد قومه فاقام بها حتى مضت بدر واحد والخندق. ثم قدم المدينة. قال خفاف بن إيماء: كان أبو ذر شجاعًا ينفرد وحده قيقطع الطريق ويغير على الصّرم كأنه السبع، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبي. ﷺ بمكة فأتاه.
وعن عبد الله بن صامت قال: قال أبو ذر: لقد صليتُ يابن أخي قبل ألقى رسول الله. ﷺ بثلاث سنين. قال فقلت: لمن؟ قال لله. قلت فاين تتوجه قال حيث وجهني الله ﷿ قال واصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كاني خفاء حتى تعلوني الشمس.
قال أبو ذر فانطلقناحتى نزلت بحضرة مكة وانطلق أخي انيس فراث علي فقلت ما حبسك قال لقيت رجلا يزعم ان الله ﷿ ارسله على دينك قال فقلت ما يقول الناس فيه قال يقولون أنه شاعر وساحر وكاهن.
قال انيس قد سمعت قول الكهان فما يقول بقولهم وقد وضعت قوله على اقراء الشعراء فوالله ما يلتام ووالله أنه لصادق وانهم لكاذبون.
قال فقلت له هل أنت كافي حتى انطلق فأنظر قال نعم فكن من أهل مكة على حذر فانهم قد شنفوا له وتجهموا له فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت
[ ١ / ٢٢٣ ]
له اين هذا الرجل الذي يدعونه الصابيء؟ قال فأشار إلي.
قال الصابيء قال فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي فارتفعت حين ارتفعت كاني نصب احمر فاتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدم فدخلت بين الكعبة واستارها فلبثت بهيا بن أخي ثلاثين من بين ليلة ويوم ما لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت في كبدي سخفة جوع.
قال بينما أهل مكة في ليلة قمراء أي مضيئة اضحيان وضرب الله على اصمخة أهل مكة وما يطوف بالبيت غير امرأتين فاتتا على وهما تدعوان اسافا ونائلة فقلت انكحوا أحدهما الاخر قال فما ثناهما ذلك قال فاتتا علي فقلت هن مثل الخشبة غير اني لم اكن فانطلقنا تولولان وتقولان لو كان هاهنا أحد من انفارنا قال فاستقبلهما رسول الله. ﷺ وأبو بكر وهما هابطان الجبل فقالا ما لكما قالتا الصابيء بين الكعبة واستارها قالا فما قال لكما؟ قالتا قال لنا كلمة تملا الفم.
قال فجاء رسول الله ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر فطاف بالبيت ثم صلى ركعتين قال فاتيته فكنت أول من حياه بتحية الإسلام فقال: "وعليك السلام ورحمة الله ممن أنت؟ " قال قلت من غفار قال فأهوى بيده فوضعها على جبهته قال فقلت في نفسي كره ان انتميت إلى غفار قال فاردت ان أخذ بيده فقد عني صاحبه وكان اعلم به مني قال: "متى أنت هاهنا؟ " قال قلت كنت هاهنا منذ ثلاثين من يوم وليلة قال فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فمسنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبيدي سخفة جوع فقال رسول الله ﷺ: "انها مباركة انها طعام طعم".
قال أبو بكر ائذن لي يا رسول الله ﷺ في طعامه الليلة قال ففعل قال فانطلق النبي ﷺ وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. قال: فكان ذلك أول طعام اكلته بها.
فلبثت ما لبثت ثم قال لي رسول الله ﷺ: "اني وجهت إلى أرض ذات نخل فلا احسبها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ﷿ ينفعهم بك وياجرك فيهم" قال فانطلقت حتى اتيت أخي أنسيا قال فقال لي ما صنعت قال قلت صنعت اني قد
[ ١ / ٢٢٤ ]
أسلمت وصدقت قال فما بي رغبة عن دينك فاني قد أسلمت وصدقت ثم اتينا امنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فاني قد أسلمت وصدقت.
فتحملنا حتى اتينا قومنان غفارا فأسلم بعضهم قبل ان يقدم رسول الله ﷺ المدينة وكان يؤمهم خفاف بن ايماء بن رخصة الغفاري وكان سيدهم يومئذ. وقال بقيتهم إذا قد رسول الله ﷺ أسلمنا فقد رسول الله ﷺ المدينة فأسلم بقيتهم فقال رسول الله ﷺ: "غفار غفر الله وأسلم سالمها الله" ١ انفرد بإخراجه مسلم.
وفي الصحيحين من حديث اين عباس ان أبا ذر لما دخل على رسول الله ﷺ وأسلم قال له النبي ﷺ: "ارجع إلى قومك حتى يأتيك امري" فقال والذي نفسي بيده لاصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى باعلى صوته: "أشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله". وثار القوم فضربون حتى اضجعوه وأتى الباس فاكب عليه فقال ويلكم الستم تعلمون أنه من غفار وان طريق تجارتكم إلى الشام يعني عليهم فانقذه منهم ثم عاد من الغد لمهلها وثاروا إليه فضربوه فاكب عليه العباس فانقذه٢.
وعن أبي حرب بن أبي الاسود قال سمعت عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله. ﷺ يقول: "ما اقلت الغبراء ولا اظلت الخضراء من رجل اصدق من أبي ذر" رواه الإمام أحمد٣.
وعن محمد بن واسع ان رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موته فسالها عن عبادة أبي ذر قالت كان نهاره اجمع في ناحية يتفكر.
وعن عبد الله بن سيدان عن أبي ذر أنه قال في المال ثلاثة شركاء القدر لا يستامرك ان يذهب بخيرها أو شرها أو شرها ن هلاك أو موت والوارث ينتظر ان تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم وأنت الثالث فان استطعت ان لا يكون اعجز الثلاثة فلا تكونن ان الله ﷿ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وان هذا الجمل مما كنت أحب من مالي فاحببت ان قدمه لنفسي.
_________________
(١) ١ صحيح: أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة حديث٢٤٧٣. باب ٢٨. من فضائل أبي ذر ﵁. ٢ صحيح: أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار حديث ٣٨٦١. باب ٣٣. إسلام أبي ذر الغفاري ﵁. ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٤٧٤. باب ٢٨. من فضائل أبي ذر ﵁. ٣ حسن: أخرجه الترمذي في المناقب حديث ٣٨٠١. باب ٣٦. مناقب أبي ذر ﵁. وقال: وهذا حديث حسن وأحمد في المسند.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وعن سفيان الثوري قال قال أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال يا ايها الناس اناجندب الغفاري هلموا إلى الاخ الناصح الشفيق فاكتنفه الناس فقال ارأيتم لو ان أحدكم اراد سفار اليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه قالوا بلى قال فان سفر طريق القيامة ابعد ما ترويدون فخذوا ما يصلحكم قالوا ومايصلحنا قال حجوا حجة لعظائم الامور وصوموا يوما شديدا حره لطول النشور وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور كلمة خير تقولها أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرهها اجعل الدنيا مجلسين مجلسا في طلب الحلال ومجلسا في طلب الآخرة الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده اجعل المال درهمين درهما تنفقه على عبالك من حله ودرهما تقدمه لاخرتك الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده.
ثم نادى باعلى صوتهيا ايها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا.
وعن عطاء بن محمد قال إبراهيم التيمي قال أبي خرجنا حجاجا فوجدنا أبا ذر بالربذة قائما يصلي فانتظرناه حتى فرغ من صلاته ثم أقبل علينا بوجهه فقال هلم إلى الاخ الناصح الشفيق ثم بكى فاشتد بكاؤه وقال قتلني حب يو لا ادركه قيل وما يوم لا تدركه قال طول الامل.
وعن بكر بن عبد الله عن أبي ذر قال يكفي منالدعاء مع البر ماي كفي الطعام من الملح.
وعن عراك بن مالك قال قال أبو ذر اني لاقربكم مجلسا من رسول الله ﷺ يوم القيامة وذلك اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أقربكم من مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها وانه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها غيري" ١.
وعن أبي السليل قال جاءت ابنة أبي ذر وعليها صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها فمكثت بين يديه وعنده أصحابه فقالت يا أبتاه زعم الخازنون والزارغون ان افلسك هذه بهرجة فقال يا بنية ضعيها فان اباك اصبح بحمد الله لا يملك من صفراء ولا بيضاء إلا افلسه هذه.
وعن نافع الطاحي قال مررت بابي ذر فقال لي ممن أنت قلت من أهل العراق
_________________
(١) ١ ضعيف أخرجه أحمد في المسند حديث ٢١٥١٤ والطبراني في الكبير حديث ١٦٢٣.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال اتعرف عبد الله بن عامر قلت نعم قال فانه كان يتقرا معي ويلزمني ثم طلب الامارة لاذا قدمت البصرة فترايا له فانه سيقول الك حاجة فقل لها اخلني فقل له ان رسول أبي ذر اليك وهو يقرئك السلام ويقول لك أنا ناكل من التمر ونشرب من الماء ونعيش كما تعيش.
فلما قدمت تراءيت له فقال الك حاجة فقلت اخلني اصلحك الله فقلت أنا رسول أبي ذر اليك فلما قلتها خشعلها قلبه وهو يقرأ عليك السلام ويقول لك أنا ناكل من التمر ونشرب من الماء ونعيش كما تعيش قال فحلل ازاره ثم اردخل رأسه في جيبه ثم بكى حتى ملا جيبه بالبكاء.
وعن أبي بكر بن المنكدر قال بعث حبيب بن مسلمة وهو امير بالشام إلى أبي ذر بثلاث مائة دينار وقال استعن بها على حاجتك فقال أبو ذر ارجع بها إليه أو ما وجد أحدًا اغز بالله ﷿ منا مالنا إلا ظل نتوارى به وثلة من عن تروح علينا ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها ثم اني لاتخوف الفضل.
وعن جعفر بن سليمان قال دخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر اين متاعكم قال لنابيت نوجه إليه صالح متاعنا قال أنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا قال ان صاحب المنزل لا يدعنا فيه.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر قال والله لو تعلمون ما اعلم ما انبسطتم إلى نسائكم ولا تقاررتم على فرشكم والله لوددت ان الله ﷿ خلقني يوم خلقني شجرة تعضد ويؤكل ثمرها.
عن ابن عمر بن الخطاب عن أبيه قال قال أبو ذر الصاحب الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من صاحب السوء ومملي الخير خير من الصامت والصامت خير من مملي الشر والامانة خير من الخاتم والخاتم خير من ظن السوء.
ذكر خروج أبي ذرة ﵁ إلى الربذة:
روى البخاري في افراده من حديث زيد بن وهب قال مررت بالربذة فقلت لأبي ذر ما انزلك هنا قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعأوية في هذه الاية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال نزلت في أهل الكتاب فقلت فينا وفيهم فكتب يشكوني إلى عثمان فكتب عثمان اقدم المدينة فقدمت فكثر الناس علي كانهم لم يروني قبل ذلك فذكر ذلك لعثمان فقال ان شئت تنحيت فكنت قريبا فذلك الذي انزلني هذا المنزل.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وروى ابن سيرين قال قدم أبو ذر المدينة فقال عثمان كن عندي تغدو عليك وتروع اللقاح قال لا حاجة لي في دنياكم ثم قال ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة فاذن له فخرج.
ذكر وفاة أبي ذر ﵁:
عن إبراهيم الاشتر عن أبيه عن أم ذر قالت لما حضر أبا ذر الوفاة بكيت فقال ما يبكيك فقلت ما لي لا ابكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يدان لي بنعشك وليس معنا ثوب يسعك كفنا ولا لك فقال لا تبكي وابشري فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدًا" واني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: "ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين". وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة واني أنا الذي اموت بالفلاة والله ما كذبت ولا كذبت فابصري الطريق قالت فقلت اني وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق فقال انظري فكنت اشتد إلى الكثيب فاقوم عليه ثم ارجع إليه فامرضه.
قالت فبينما أنا كذلك إذ أنا برجال على رواحلهم كانهم الرخم فالحت بهم فاسرعوا إلي ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إلي فقالوا ما لك يا أمة الله فقلت امرؤ من المسلمين تكفنونه يموت قالوا ومن هو قلت أبو ذر، قالوا صاحب رسول الله ﷺ قلت نعم.
قالت ففدوه بابائهم وامهاتهم واسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فسلموا عليه فرحب بهم وقال ابشروا فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يموت بين امراين من المسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدًا" وسمعته يقول لنفر أنا فيهم: " ليمتن رجلا منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين"، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية أو جماعة وانا الذي اموت بفلاة من الأرض والله ما كذبت ولا كذبت وانه لو كان عيدي ثوب يسعني كفنا أو لامرأتي ثوب يسعني كفنا لم اكفن إلا في ثوب هو لي أو لها واني انشدكم الله لا يكفني رجل منكم كان اميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا قال فليس من القوم أحد إلا وقد قارف من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار فقال أنا اكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين في غيبتي من غزل امي قال أنت فكفني فكفنه الأنصاري ودفنه في النفر الذين معه منهم حجر بن عدي بن الادبر ومالك بن الاشتر في نفر كلهم يمان١.
_________________
(١) ١ صحيح: أخرجه أحمد في المسند حديث ٢١٥٢٣.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقد ذكر محمد بن اسحق في المغازي ان أبا ذر مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود منصرفه من الكوفة.
وعن القرظي قال خرج أبو ذر إلى الربذة فاصابه قدره فأوصاهم ان كفنوني ثم ضعوني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا لهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله. ﷺ فاعينونا على غسله ودفنه فاقبل ابن مسعود في ركب من أهل العراق ﵁.
[ ١ / ٢٢٩ ]