دأب السلف ﵏ بعد ظهور الفرق وانتشار الأهواء وكثرة البدع على كتابة معتقدهم في قضايا العقيدة، لا سيما تلك التي خاض فيها أصحاب الأهواء بآرائهم وعقولهم القاصرة والمتناقضة، كالأسماء والصفات، والقدر، والإيمان، والسمع والطاعة لولاة الأمر، ومعارضة نصوص الشرع بالآراء والعقل والقياس، وغير ذلك.
والمتتبع لتراجم أئمة السلف وسيرهم منذ القرن الثاني وما بعده، يجد ما يلي:
١ - أن أكثرهم قد كتب معتقده، وأوضحه ثم نشره في الأمة
٢ - أنهم متفقون على وجوب أخذ الدين كله من الكتاب والسنة.
٣ - أنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفًا عن سلف وقرنًا عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخذه
[ ٨٤ ]
أصحاب رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله عن رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
٤ - أنهم لما طلبوا الدين من الكتاب والسنة لم يطلبوه لتأييد ما هم عليه، وما رأوه بآرائهم وعقولهم بل طلبوه لتصحيح ما هم عليه، فيعرضون ما وقع لهم وخواطرهم على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقًا لما في الكتاب والسنة قبلوه وشكروا الله ﷿ حيث أراهم ذلك ووقفهم عليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق.
٥ - لما كان الكتاب والسنة عند السلف هما مصدر تلقي الدين ومنهج التلقي عندهم للعمل والتصحيح صاروا على تباعد ديارهم وبلدانهم واختلاف أزمانهم وأعصارهم وكثرة مصنفاتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها قولهم في ذلك واحد وفعلهم واحد لا ترى بينهم اختلافًا ولا
[ ٨٥ ]
تفرقًا في شيء ما وإن قل. ١
فهذا عبد الله بن فيروز الديلمي - أحد كبار التابعين - يقول: "أتيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر إنه وقع في قلبي شيء من هذا القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني، فقال: إن الله ﷿ لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لو كان لك مثل جبل أحد ذهبًا أنفقته في سبيل الله، ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت ابن مسعود فسألته، فقال
_________________
(١) ١ انظر: الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٦)، وفصول من كتاب الانتصار لأهل الحديث لأبي المظفر السمعاني (ص: ٤٤ - ٤٦)، جمع وتعليق الدكتور محمد بن حسين الجيزاني.
[ ٨٦ ]
مثل ذلك، ثم قال ابن مسعود: ولا عليك أن تأتي أخي حذيفة بن اليمان فتسأله، فأتيت حذيفة بن اليمان، فسألته فقال مثل ذلك، وقال: فأت زيد بن ثابت، فأتيت زيد بن ثابت فقال مثل ذلك". ١
وقد ساق أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي (ت ٤١٨ هـ) مجمل اعتقاد طائفة من أعلام السلف كالثوري وابن عيينة والأوزاعي وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهم وذلك في كتابه القيم "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" ٢
فقال ﵀: "سياق ما روي من المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة والتمسك بها والوصية بحفظها قرنًا
_________________
(١) ١رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ١٨٢)، وأبو داود في السنة - باب في القدر (٥/ ٦٦) ح ٤٦٩٩، وأخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٣٨٨)، واللالكائي في شرح أصول أهل السنة (٣/ ٦١٢) ح ٦٧٣. ٢طبع في تسعة أجزاء بتحقيق الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان.
[ ٨٧ ]
بعد قرن". ١
وقد بدأ بذكر اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، فذكر بإسناده إلى علي بن حرب الموصلي قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري: حدثني بحديث من السنة ينفعني الله ﷿ به، فإذا وقفت بين يدي الله ﵎ وسألني عنه فقال لي: من أين أخذت هذا قلت: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤاخذ أنت.
فقال: "يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بنية، ولا يجوز القول
_________________
(١) ١انظر: (١/ ١٥١).
[ ٨٨ ]
والعمل والنية إلا بموافقة السنة. ١
قال شعيب: فقلت له: يا أبا عبد الله وما موافقة السنة
قال: تقدمة الشيخين: أبي بكر وعمر ﵄.
يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثمانًا وعليًا على من بعدهما.
يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا العشرة الذين شهد لهم رسول الله وكلهم من قريش.
يا شعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك.
_________________
(١) ١أورد الحافظ ابن بطة العكبري في الإبانة (٢/ ٨٠٢ - ٨١٤) عن عدد من السلف نحو هذا القول، ومنهم أنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسن والأوزاعي وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم.
[ ٨٩ ]
يا شعيب بن حرب: ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بها. ١
يا شعيب بن حرب: لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، كل من عند الله ﷿.
يا شعيب بن حرب: والله ما قالت القدرية ما قال الله،
_________________
(١) ١هذه المسألة والتي قبلها وأمثالهما من المسائل العملية التي ذكر السلف ضمن قضايا الاعتقاد، إنما ذكرت في قضايا العقيدة لأمور، منها:
(٢) وجود من عارض هذه السنن بمجرد الرأي والعقل والقياس.
(٣) أن السلف ﵏ لا يفرقون في الالتزام بالسنة والوقوف عندها بين واجب ومندوب، بل يتبعون السنة في الجميع ويلتزمون بها تدينًا.
(٤) أن شعيب بن حرب إنما سأل سفيان عن السنة، ومن تمام بيان السنة أن يذكر له السنن الاعتقادية والعملية التي وقع فيها معارضة من أصحاب الأهواء بعقولهم وآرائهم الفاسدة حتى يحذر تلك الأهواء والآراء المنحرفة عن هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ﵃.
[ ٩٠ ]
ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قال النبيون، ولا ما قال أهل الجنة، ولا ما قال أهل النار، ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله. قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾. ١
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ الله﴾. ٢
وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾. ٣
وقال موسى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. ٤
وقال نوح ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ
_________________
(١) ١سورة الجاثية - الآية (٢٣). ٢سورة التكوير - الآية (٢٩). ٣سورة البقرة - الآية (٣٢). ٤سورة الأعراف - الآية (٥٥).
[ ٩١ ]
أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ الله يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ١
وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونَ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾. ٢
وقال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ الله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾. ٣
وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. ٤
وقال أخوهم إبليس لعنه الله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. ٥
يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل.
_________________
(١) ١سورة هود - الآية (٣٤). ٢سورة الأعراف - الآية (٨٩). ٣سورة الأعراف - الآية (٤٣). ٤سورة المؤمنون - الآية (١٠٦). ٥سورة الحجر - الآية (٣٩).
[ ٩٢ ]
قال شعيب: فقلت لسفيان: يا أبا عبد الله الصلاة كلها قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة.
يا شعيب بن حرب: إذا وقفت بين يدي الله ﷿ فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري، ثم خل بيني وبين ربي ﷿" اهـ. ١
هذا مجمل اعتقاد أبي عبد الله الثوري، وهي عين ما نقل عن الأئمة قبله وبعده، كما ذكر ذلك الحافظ أبو القاسم اللالكائي وغيره.
وقد ضمَّن سفيان ما كتبه لتلميذه شعيب بن حرب التأصيل العلمي والمنهجي في الرد على أصحاب البدع والأهواء، فذكر مسألة خلق القرآن والقول الحق فيها
_________________
(١) ١شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥١ - ١٥٤).
[ ٩٣ ]
وكذلك الإرجاء والقدر، ومسألة معارضة السنن بالرأي والهوى، أو القياس والعقل، ثم مسألة السمع والطاعة لولاة الأمر وبيان منهج أهل السنة والجماعة فيها.
لقد كان سفيان وأقرانه من الأئمة في عصره كابن المبارك والأوزاعي وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم كانوا شجًا في حلوق أصحاب الأهواء والبدع وعلقمًا في أفواههم، فحفظ الله بهم الدين وأحيا بهم السنة وقمع بهم البدع والأهواء في زمانهم.
قال مؤرخ الإسلام أبو عبد الله الذهبي: "وفي زمان هذه الطبقة - الخامسة من تذكرة الحفاظ - كان الإسلام وأهله في عز تام وعلم غزير، وأعلام الجهاد منثورة والسنن مشهورة، والبدع مكبوتة، والقوَّالون بالحق كثير، والعباد متوافرون والناس في بُلهنية من العيش بالأمن وكثرة الجيوش المحمدية من أقصى المغرب وجزيرة الأندلس، وإلى قريب
[ ٩٤ ]
مملكة الخطا - كذا - وبعض الهند وإلى الحبشة". ١
وهذه نماذج من مواقف سفيان من أهل الأهواء وآرائه فيهم: عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله تعالى". ٢
وفي "سير أعلام النبلاء": أن سفيان الثوري قال: "من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه". ٣
وفيه أيضًا عنه أنه قال: "من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه ولا يلقها في قلوبهم". ٤
قال الذهبي: "أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشبة خطافة".
_________________
(١) ١تذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٤). ٢انظر: الحلية لأبي نعيم (٧/ ٢٦)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٦١). ٣سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٦١). ٤المصدر نفسه.
[ ٩٥ ]
عن عبد الله بن المبارك: "سئل سفيان بن سعيد عن ثور ابن يزيد الشامي فقال: خذوا عنه واتقوا قرنيه - يعني أنه كان قدريًا -". ١
وعن أحمد بن عبد الله بن يونس: "سمعت رجلًا يقول لسفيان: رجل يكذب بالقدر، أأصلي وراءه قال: لا تقدموه، قال: هو إمام القرية ليس لهم إمام غيره، قال: لا تقدموه، لا تقدموه، وجعل يصيح". ٢
وعن أبي غسان قال: حدثنا إبراهيم بن المغيرة - وكان حجاجًا - قال: "سألت سفيان: أأصلي خلف من يقول الإيمان قول بلا عمل قال: لا، ولا كرامة". ٣
وذكر أبو نعيم في "الحلية" بسنده عن المؤمل بن إسماعيل قال سفيان الثوري: "خالفتنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل،
_________________
(١) ١الجرح والتعديل (١/ ٧٤). ٢الحلية (٧/ ٢٦). ٣المصدر نفسه (٧/ ٢٧).
[ ٩٦ ]
ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله". ١
وبإسناده إلى محمد بن يوسف الفريابي قال سفيان: "ليس أحد أبعد من كتاب الله من المرجئة". ٢
وعن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان يقول: "من كره أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله فهو عندنا مرجئ" يمد بها صوته. ٣
وفي "الحلية" عن عبد الصمد بن حسان قال: سمعت الثوري يقول: "عليكم بما عليه الحمالون والنساء والصبيان في الكُتَّاب، من الإقرار والعمل". ٤
_________________
(١) ١المصدر نفسه (٧/ ٢٩). ٢المصدر نفسه. ٣المصدر نفسه (٧/ ٣٢). ٤الحلية (٧/ ٣٠).
[ ٩٧ ]
وفيه أيضًا عن عبد الله بن المبارك قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "من زعم أن ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ مخلوق فقد كفر بالله ﷿". ١
عن غياث بن واقد - من أهل اصطخر - قال: سمعت سفيان يقول: "ارج كل شيء مما لا تعلم إلى الله، ولا تكن مرجئًا، واعلم أن ما أصابك من الله، ولا تكن قدريًا".
قال: وسمعت سفيان يقول: "لقد تركت المرجئة هذا الدين أرق من السابري". ٢
وعن أبي بكر الحنفي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "الصلاة والزكاة من الإيمان ٣، والإيمان يزيد، والناس
_________________
(١) ١سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٧٣)، الحلية (٧/ ٣٠). ٢الحلية لأبي نعيم (٧/ ٣٣)، والسابري كل رقيق سابري، والأصل فيه الدروع، السابرية نسبة إلى سابور (تاج العروس ٣/ ٢٥٣). ٣بوَّب بذلك أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب الإيمان فقال: باب الصلاة من الإيمان، باب الزكاة من الإسلام.
[ ٩٨ ]
عندنا مؤمنون مسلمون، ولكن الإيمان متفاضل، وجبريل أفضل إيمانًا منك". ١
وعن أبي نعيم الفضل بن دكين (ت ٢١٨ هـ) قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "قدمت الري وعليها الزبير بن عدي قاضيًا، فكتبت عنه خمسين حديثًا، ثم مررت بجرجان وبها جوَّاب - بتشديد الواو - التيمي فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه"، قال أبو نعيم لم يكتب عنه لأنه كان مرجئًا. ٢
قال عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ): سمعت مالكًا والأوزاعي وابن جريج والثوري ومعمرًا
يقولون: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص". ٣
وفي "السير" عن أبي بكر بن عياش: "كان سفيان
_________________
(١) ١الحلية (٧/ ٣٣). ٢الجرح والتعديل (١/ ٨٠). ٣السير (٧/ ٢٥٢)، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٥٧ - ٩٥٨ رقم ١٧٣٦)، (٥/ ٩٦٢ رقم ١٧٤٩)، (٥/ ٩٨٠ رقم ١٧٩٢).
[ ٩٩ ]
ينكر على من يقول العبادات ليست من الإيمان، وعلى من يقدم على أبي بكر وعمر أحدًا من الصحابة، إلا أنه كان يقدم عليًا على عثمان". ١
وفيه أيضًا عن محمد بن يوسف الفريابي (ت ٢١٢ هـ) قال: سمعت سفيان يقول: "إن قومًا يقولون: لا نقول لأبي بكر وعمر إلا خيرًا، ولكن علي أولى بالخلافة منهما، فمن قال ذلك فقد خطَّأ أبا بكر وعمر وعليًا والمهاجرين والأنصار، ولا أدري ترتفع مع هذا أعمالهم إلى السماء". ٢
وفي رواية عن عبد العزيز بن أبان: سمعت الثوري يقول: "من قدم على أبي بكر وعمر أحدًا، فقد أزرى على اثني عشر ألفًا من أصحاب رسول الله ﷺ توفي رسول الله وهو عنهم راض". ٣
_________________
(١) ١المصدر نفسه. ٢المصدر نفسه (٧/ ٢٥٣)، وفي لفظ: "وأخشى أن لا ينفعه مع ذلك عمل". ٣المصدر نفسه (٧/ ٢٥٤).
[ ١٠٠ ]
أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسنده إلى زيد بن الحباب قال: "كان رأي سفيان الثوري رأي أصحابه الكوفيين، يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، فلما صار إلى البصرة رجع عنها، وهو يفضل أبا بكر وعمر على علي، ويفضل عليًا على عثمان". ١
وفي "السير" عن زيد بن الحباب قال: "خرج سفيان إلى أيوب وابن عون فترك التشيع". ٢
وعن علي بن قادم قال سفيان: "ما قاتل عليّ أحدًا إلا كان علي أولى بالحق منه". ٣
وفيه أيضًا عن محمد بن يوسف الفريابي: "سمعت سفيان ورجل يسأله عن مَنْ يشتم أبا بكر فقال: كافر بالله العظيم، قال: نصلي عليه قال: لا، ولا كرامة.
قال: فزاحمه الناس حتى حالوا بيني وبينه، فقلت للذي
_________________
(١) ١الحلية (٧/ ٣١). ٢سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٥٣). ٣الحلية (٧/ ٣١).
[ ١٠١ ]
قريبًا منه: ما قال قلنا: هو يقول: لا إله إلا الله ما نصنع به قال: لا تمسوه بأيديكم ارفعوه بالخشب حتى تواروه في قبره". ١
وفي "الحلية" عن رواد بن الجراح قال: "قال سفيان لعطاء بن مسلم: كيف حبك اليوم لأبي بكر قال: شديد، قال: كيف حبك لعمر قال: شديد، قال: كيف حبك لعلي قال: شديد، وطولها وشدَّدها، فقال سفيان: يا عطاء هذه الشديدة تريد كية وسط رأسك". ٢
وعن عطاء بن مسلم قال: قال لي سفيان: "إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي، وإذا كنت بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر". ٣
وعن المسيب بن وضاح قال: سمعت عبد الوهاب الحلبي يقول: "سألت سفيان الثوري ونحن نطوف بالبيت عن
_________________
(١) ١السير (٧/ ٢٥٣). ٢الحلية (٧/ ٣١). ٣الحلية (٧/ ٢٧)، السير (٧/ ٢٦٠).
[ ١٠٢ ]
الرجل يحب أبا بكر وعمر إلا أنه يجد لعلي من الحب ما لا يجد لهما، قال: هذا رجل به داء ينبغي أن يسقى دواء". ١
وعن مؤمل بن إسماعيل قال: سمعت سفيان يقول: "منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي". ٢
وفي "السير" عن عثام بن علي: سمعت سفيان يقول: "لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلوب نبلاء الرجال". ٣
عن شعيب بن حرب قال: "ذكروا سفيان الثوري عند عاصم بن محمد، فذكروا مناقبه حتى عدوا خمس عشرة منقبة، فقال: فرغتم إني لأعرف فيه فضيلة أفضل من هذه كلها: سلامة صدره لأصحاب محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله". ٤
وفي "السير": "سئل سفيان عن أحاديث الصفات
_________________
(١) ١الحلية (٧/ ٢٧). ٢السير (٧/ ٢٦٠). ٣الحلية (٧/ ٣٢)، السير (٧/ ٢٧٣). ٤الحلية (٧/ ٢٧).
[ ١٠٣ ]
فقال: أمروها كما جاءت". ١
وعن عبد الله بن المبارك قال سفيان: "الجهمية كفار، والقدرية كفار"، قال الراوي عن ابن المبارك: فما رأيك قال: رأيي رأي سفيان. ٢
وفي "الحلية" عن ضمرة قال: "سألت سفيان الثوري أصافح اليهود والنصار فقال: برجلك نعم". ٣
وقال مؤمل بن إسماعيل: "مات عبد العزيز بن أبي رواد، وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا، فصف الناس، وجاء الثوري فقال الناس: جاء الثوري، حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه فجاوز الجنازة ولم يصل عليه، لأنه كان يرمى بالإرجاء". ٤
وقد تكرر هذا الموقف من سفيان في جنازة عباد بن كثير
_________________
(١) ١سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٧). ٢الحلية (٧/ ٢٨). ٣المصدر نفسه (٦/ ٣٧٩). ٤المصدر نفسه (٧/ ٢٩).
[ ١٠٤ ]
العابد المجاور بمكة لما كان فيه من الغفلة في الرواية عن كل أحد، وهذا الموقفان من سفيان يراد بهما التحذير من البدع وأصحابها، وحتى لا يغتر أحد بصلاته عليهما، وإلا فهو يرى جواز الصلاة عليهما لأنه لم يكفرهما وأمثالهما من أهل البدع غير المكفرة، والله أعلم.
[ ١٠٥ ]