قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الحديثين السابقين: «ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: فلم تجد عندي غير تمرة واحدة: أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى واحدة فأعطتها ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة» (١).
١٩ - أفضل الصدقة ما يعطى الأقارب؛ لحديث سلمان بن عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (٢).
ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ،
_________________
(١) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، لابن حجر (١٠/ ٤٢٨).
(٢) النسائي، برقم ٢٥٨١، والترمذي برقم ٦٥٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٢٢٣) وتقدم تخريجه.
[ ٣٥ ]
وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - ﷺ - يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) قام أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحبَّ أموالي إليَّ بَيرُحا (٢)، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «بَخ (٣)، ذلك مال رابح (٤)، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت وإني
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.
(٢) بيرحاء: حائط يسمى بهذا الاسم، وليس اسم بئر [شرح النووي ٧/ ٨٩].
(٣) بَخ: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه، وهي كلمة تقال عند الإعجاب، [شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ٩٠].
(٤) مال رابح: ومعناه بهذا اللفظ ظاهر، وأما لفظ: «رايح» في بعض الأوجه: فمعناه رايح عليك أجره ونفعه في الآخرة [شرح النووي ٧/ ٩١].
[ ٣٦ ]
أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه». وفي لفظ: «فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب» (١).
قال الإمام النووي ﵀: «وفي هذا الحديث من الفوائد أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يرعى حقها في صلة الأرحام، وإن لم يجتمعوا إلا في أبٍ بعيد؛ لأن النبي - ﷺ - أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أبي بن كعب وحسان ابن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع» (٢).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم ١٤٦١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، برقم ٩٩٨.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٩١).
[ ٣٧ ]
وعن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك» (١).
قال الإمام النووي ﵀: «فيه فضيلة صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكرامًا بحقها، وهو زيادة في برها، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها» (٢).
وعن أبي سعيد ﵁ في قصة زينب امرأة ابن مسعود: أنها قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الهبة، باب بمن يبدأ بالهبة، برقم ٢٥٩٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، برقم ٩٩٩.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٩١).
[ ٣٨ ]
أتصدق بها، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي - ﷺ -: «صدق ابن مسعود: زوجك وولدك أحقّ من تصدقت به عليهم» (١).
ولحديث زينب الآخر، وفيه: أنها أرسلت بلالًا يسأل النبي - ﷺ -: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي، وأيتام في حجري؟ فسأله فقال: «نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة». وفي لفظ مسلم: «لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة»؛ لأنها كان معها امرأة من الأنصار حاجتها حاجتها (٢).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم ١٤٦٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، والزوج، والأولاد، والوالدين ولو كانوا مشركين، برقم ١٠٠٠.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، برقم ١٤٦٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد، برقم ١٠٠٠.
[ ٣٩ ]
قال الإمام النووي ﵀: «فيه الحث على الصدقة على الأقارب وصلة الأرحام، وأن فيها أجرين» (١).