نشرت سنة ١٩٦٢
يقولون أن امرأ القيس (١) كان أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى، وأنا صانعٌ اليومَ مثل ما صنع امرؤ القيس.
_________________
(١) لما وصلت إلى هنا وأنا أراجع الكتاب وجدت أن الطابع (الذي طبع مادته) أصرّ على أن يكتب اسم شاعرنا الجاهلي بصورة واحدة حيثما جاء في المقالة، كتبه «امرؤ القيس» كما حفظه في المدرسة. فهممت أن أصحّح خطأه وأمضي كما أصنع في كل حين، ثم قلت: بل أضيف حاشية ينتفع بها بعض القراء، بل ربما كثير منهم، فقد عَمَّ الضعف بالعربية حتى جهل كثيرٌ من الناس ما ينبغي أن يُعلَم منها بالضرورة. فاحفظوا القاعدة: إذا تحركت هذه اللفظة اشترك في الحركة آخرُها والحرف الذي قبله، فهما يُضَمّان معًا في حالة الرفع، ويُفتحان معًا في النصب ويُكسران في الجر، ويظهر هذا التحريك في اللفظ وفي الرسم (الكتابة)، فنقول: امرُؤُ القيس شاعر عبقري، وإنّ امرَأَ القيس كان من فحول الشعراء، وقرأت معلقة امرِئِ القيس (ولم أفهم منها شيئًا بالطبع)! وفائدة ثانية: كل اسم في اللغة العربية -عدا مصادر الخماسي والسداسي- يبدأ بهمزةٍ فهي همزة قطع، تُلفَظ وصلًا وفصلًا، ما عدا اثني عشر اسمًا سُمعت عن العرب بهمزات وصل، «امرؤ» أحدها، وابحثوا عن البقية في كتب النحو والإملاء (مجاهد).
[ ٣٤٧ ]
ولكن امرأ القيس استوقف أصحابه، فوَقَفوا له «مَطِيَّهم» يقولون: "لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَمَّلِ"، واستوقفت أنا «سيّارة القصّاع» (١) لتنتظرني حتى أقف بالأطلال، فما التفتت سيارة القصاع إليّ ولا ردت عليّ. وكان وقوفه على «سِقْط اللِوى»، ألا تعرفون ما سقط اللوى؟ إنه بين «الدَّخول» و«حَوْمَل»! ثلاثة أسماء ما زالت تجري على كل لسان وتقرع كل سمع من ألف وخمسمئة سنة إلى اليوم، وما عرف أحدٌ قط ما هي ولا أين تكون! (٢) ووقفت أنا على أطلال ماثلة في قلب دمشق وفي أكبر سُوحها.
ووقف امرؤ القيس ليبكي ذِكَرَ الغرام، ووقفت لأعرض صور الماضي وأعتبر بأحداث الليالي.
* * *
صليت العصر أمس في جامع «يَلْبُغا» (٣) وخرجت أنتظر سيارة القصّاع، فسلم عليّ صديق لي، وأشار إلى بقايا الغرف
_________________
(١) يريد الحافلة (الباص) التي تذهب إلى القصاع، وهو حي من أحياء دمشق خارج السور، شرقيّ باب توما (مجاهد).
(٢) حددها كلها الشيخ ابن بليهد ﵀ في كتابه «صحيح الأخبار».
(٣) كان موضعه تلًا يُشنَق عليه المجرمون، فأخذه والي دمشق سيف الدين يَلبُغا سنة ٨٤٧هـ وأنشأ عليه هذا المسجد، وقد أراد يومًا بعض حكام السوء أن يستغلوا موقعه من لب المدينة فيبنوا مكانه بناء تجاريًا يخصَّص منه طابق للمسجد! فأنكرنا ذلك وأبطلناه بعون الله. قلت: علمت أن «الأوقاف» هدمته سنة ١٩٧٥ وبدأت ببناء مجمَّع كبير مكانه، ولا أدري ما فعل الله بالجامع (مجاهد).
[ ٣٤٨ ]
في شمالي المسجد وسألني: ما هي؟ فحرّك بهذا السؤال سواكن ذكرياتي، وردّني إلى مَواضي أيامي، فرجعت أدراجي ثلاثًا وأربعين سنة حتى عدت تلميذًا في هذه المدرسة، وجعلت أستعيد صور حياتي فيها وأتذكر أساتذتي ورفاقي.
وأين رفاقي؟ أين؟ لقد تشعّبت بهم سُبُل الحياة وضربهم موج لُجّتها، فرفع ناسًا وخفض ناسًا وأغرق آخرين. كانوا متجاورين في المدرسة على مقعد واحد، فاختلفت في الحياة مقاعدهم، فجلس هذا على سدّة الحكم وذلك على كرسي الحاجب على بابه، وصار هذا هو القاضي ورفيقه هو المتّهَم الذي يقوم بين يديه، وغدا هذا من أرباب الأموال والأعمال فلا يدري ما يصنع بماله، وذلك من أصحاب العَيْلة (١) والعيال فلا يعرف -لعيلته- من أين ينفق على عياله.
اغتنى ابن الفقير وافتقر ابن الغني، وتأخر في الحياة من كان في المدرسة سابقًا وسبق من كان فيها متأخرًا، ومشى قومٌ على الطريق السوي، فكان غاية مسعاهم وظيفة فيها الستر أو مورد فيه الكفاف، وقفز قوم من فوق الأسوار، فكانوا يومًا في الأوج ويومًا في الحضيض، في القصر حينًا وحينًا في السجن!
كم ربَّتْ هذه المدرسة من أطفال وكم خرّجت من رجال! كانت الدروس للجميع، وكانت كلها هدى وخير، فاهتدى بها من اهتدى وضل من ضل، كالمطر يهطل على الأرض كلها، فتتشربه قطعة فتنبت به الزهر والثمر، وتأباه أخرى فتحيله بِرَكًا لا
_________________
(١) العَيْلة الفقر.
[ ٣٤٩ ]
تلبث أن يأسَنَ ماؤها ويُفسد الأرضَ والجو.
لقد لبثَتْ نصفَ قرن تربي وتعلم، وكانت قوية شابة، ثم نال منها الوَنى وهدّها الكلال، ثم آضَتْ أطلالًا.
إنها كسفينة ترددت آلاف المرات بين الشاطئين؛ تنقل الركاب من شاطئ الطفولة إلى شاطئ الشباب، تقطع بهم لُجّةَ المضيق العميق، فمنهم من يصل ومنهم من تطويه اللجة بمياهها، ثم يتفاوت الواصلون، فمنهم من يبقى على الشاطئ يسير على الطريق المستقيم، أو يلتوي وينحرف، ومنهم من يصعد الجبل فيعلو قليلًا أو كثيرًا، ومنهم نفرٌ يبلغ الذروة، ثم يهبط الجميع، سواءٌ منهم من علا ومن انخفض، ويواريهم التراب.
حتى إذا كَلَّتْ السفينة ورَثَّت حبالها وصدئت وتخرّقت وقفت، ثم مالت وغاصت في رمال الشطّ وبقيت مكانها، كأنها هيكلُ حوتٍ كبير فقد الحياة من زمن بعيد.
* * *
إني لأذكر الآن كيف دخلت هذه المدرسة.
لقد كنت في مطلع سنة ١٩١٨ تلميذًا في الصف الخامس في مدرسة جمعية الاتحاد والترقي (اتحاد وترقي مكتبي إعدادي سي)، التي كانت تُعرف بين الناس بـ «المدرسة التجارية» لأن التجار هم الذين أنشؤوها بأموالهم، وكانت أكبر ثانوية في البلد، وكان والدي مديرها، وكان يدرّس فيها فحولُ الرجال، وحسبكم أن تعرفوا أن منهم العالم الجليل هاشم بك مدير المعارف، الذي
[ ٣٥٠ ]
كان له وحده من السلطان ما يقتسمه اليوم أربعةُ وزراء للمعارف في أربع دول، هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.
وكان يحكم الشامَ الأتراكُ، لا أعني محمدًا الفاتح وسليمان وأولئك السلف الصالح الذين حملوا راية الهدى إلى أسوار فينا، بل الخلف الفاجر: الاتحاديين الملحدين. وكان الأمر لجمال السفاك، فكنا نحن الصغار نرتجف هلعًا إذا ذكر فينا اسمه.
فأصبحنا يومًا فإذا الأرض غير الأرض والناس غير الناس؛ لقد دالت دولة الأتراك واختفت رايتهم الحمراء ذات الهلال، وجاءت دولة جديدة لها راية مربعة الألوان. وغدونا على المدرسة، وكانت في دار العابد في سوق صاروجا (١)، فإذا المدرسة قد أغلقت، وافتتحت مدرسة ثانوية جديدة باسم «المدرسة السلطانية الثانية» (٢)، وكان مقرها في هذه الغرف التي تَمْثُل أطلالها اليومَ شواخِصَ في صحن الجامع، ودخلتُ إليها فوُضعت في الصف الرابع بعد أن كنت في الخامس.
إني لا أذكر من رفاقي فيها إلا ثلاثة كانوا في صفي، هم عبد الحكيم مراد المحامي، وصلاح الدين شيخ الأرض المهندس، وحسن السقا الكيميائي. أما المعلمون فأنا أذكر منهم حسني كنعان والتكريتي وجميل مراد، وكانوا يومئذ في مطلع الشباب، والشيخ محمدًا النابلسي ﵀. وكان مدير القسم الابتدائي شريف آقبيق، ومدير الثانوي سعيد مراد ﵀.
_________________
(١) صاروجا من أمراء المماليك، مات سنة ٧٤٣هـ.
(٢) كانت المدرسة الثانوية تسمى يومئذ «السلطانية».
[ ٣٥١ ]
والأستاذ سعيد مراد شيخ المعلمين، ما مات حتى رأى تلاميذَ تلاميذِ تلاميذِ تلاميذه، حقيقةً لا مبالغة، وخليفتُه اليوم عبد الرحمن السفرجلاني، ابن معلم الشام شيخنا الشيخ عيد السفرجلاني، الذي حوت سجلات مدرسته الابنَ وأباه وجدَّه، كلهم مَرَّ عليه وكان من تلاميذه. ومن تلاميذ أستاذنا عبد الرحمن شيوخ يُشار إليهم اليوم بالبنان، منهم الرئيس شكري القُوَّتلي ﵀، وفقيد القضاء وعميده مصطفى بَرْمَدا، وشيخ الإداريين في ديار الشام جميل الدهّان وقد ذكرته استطرادًا، وحديثه وحديث أبيه أطول من أن يُكتفى فيه بالإشارة العارضة.
أعود إلى الكلام على الأستاذ سعيد مراد. لقد كان في الواقفين عند باب الأموي حَذّاء (كندرجي) من فضلاء الناس (وكان في التجار وأرباب الصناعات كثير من أهل العلم والفضل في تلك الأيام)، وكان أبي يبعث بي إليه كلما احتجت إلى حذاء. وكان أبي يجلس عنده فيمن يجلس عنده من العلماء، فذهبت إليه يومًا فوجدت في دكانه الأستاذ مراد، فصرت -من بعدها- أتهيّبه كلما لقيته وأُجِلّه عن أن أمدّ إليه رجلي ليأخذ مقاسها (١)، لمجرّد
_________________
(١) أخشى أن يصعب فهم هذه الجملة على تسعة قارئين من كل عشرة، فما معنى أن يأخذ الحذّاءُ مقاسَ الرِّجْل؟ هذه صنعة أدركت أنا آخرها ولم يعد لها في دنيانا الحاضرة وجود؛ فما كان الناس يعرفون الأحذية الجاهزة ولا هذه المتاجر المملوءة بها من كل حجم وشكل ولون، بل كان المرء يذهب إلى «حذّاء» (أي صانع أحذية) فيقيس قدمه ويصنع له حذاءً يناسبه. ولسوف يسمع أولادنا أو أولاد أولادنا هذا الخبر فيضحكون منه ويعدّونه في الأعاجيب (مجاهد).
[ ٣٥٢ ]
أني علمت أنه صديق المدير الأول.
ومرّت أيام طوال، وكنت يومًا على قوس المحكمة وأمامي من المحامين والمتقاضين عشرات وعشرات، فلمحت من نافذة القاعة (وكانت المحكمة في دار البارودي في القنوات) الأستاذ سعيد مراد واقفًا في صحن الدار مع من ينتظر من الناس، وقد أحنت الأيام ظهره وأرعشت يدَه، فتركت القوس ونزلت، والحاضرون يعجبون، حتى وصلت إليه فقبّلت يديه وسألته عما يأمر به، وأخذته من يده فقلت لمن كان في المحكمة: هذا أستاذي وأستاذ الشام، وأنا أستأذنكم في أن أؤخر دعاواكم لأقضي حاجته.
وكانوا في عجلة من أمرهم، فلما رأوا ذلك قالوا جميعًا: نعم، ونحن راضون. فأقعدته على كرسي وانطلقت أحمل أوراقه بنفسي، فرأيت دموعه تتساقط من خلال لحيته البيضاء (١). وكنت يوم وفاة أستاذنا سعيد البحرة قاضي دمشق، وكنت في صدر مجلس التعزية، فجاء الأستاذ شريف آقبيق فلم يجد مكانًا، فنزلت حتى أخذت بيده وأقعدته مكاني، وقلت لهم: هذا أستاذي.
أما الأستاذ الذي طالت له صحبتي واتصلت به مودتي فهو حسني كنعان، وإن من الإنصاف أن أقر هنا -وهو حي يرزق (٢) -
_________________
(١) هذه القصة وغيرها من أخبار الأستاذ سعيد مراد في الذكريات، وانظر أيضًا الحديث عنه في مقالة «مع بعض مشايخي» في كتاب «رجال من التاريخ»، وفي آخرها ذكر للأستاذ شريف آقبيق كذلك (مجاهد).
(٢) توفي -﵀- سنة ١٩٨٠ (مجاهد).
[ ٣٥٣ ]
أنه أول من علمني ما هو الإنشاء العربي، وكانوا يعلموننا الإنشاء بالتركية، ولو امتدّ بالاتحاديين العهدُ لما كنت أستطيع أن أخطّ سطرًا. وكانت لحسني كنعان معرفة بالموسيقى وكان إليه الفضل في الأناشيد المدرسية، فقد كان يؤلفها ويلحنها وينشدها بصوته العذب. وأنا أشهد أن أصفى حنجرة عرفتها هي حنجرة حسني كنعان في شبابه، ولقد أنشد مرة النشيد المشهور «ويلي على أوطاني من غارة العدوان» أمام الملك فيصل بن الحسين، فأبكى الملك وكل من حضر، وجُعل على أثرها مدرّسًا في السلطانية الأولى (مكتب عنبر)، وله مع ذلك مئات من المقالات، ما زال يوالي نشرها من أكثر من ثلاثين سنة إلى الآن.
وهو نابلسي، ونابلس بلد الأنجاد الأحرار، وفيها جبل النار. والنابلسيون قومه وهم أصله، ولكن يظهر أنهم قد استنفدوا الشجاعة كلها فلم يورّثوه شيئًا منها، فكان جريء القلم ولكنه منخلع القلب. ومن أخباره في هذه المدرسة أنه كان يأخذ الأشعار القديمة فيبدل من كلماتها ويلقيها علينا، فكان منها قصيدة الحِلّي:
سَلي الرِّماحَ العَوالي عن مَعالينا واستشهدي البيضَ: هل خاب الرجا فينا
وسائلي العُرْبَ والألبانَ ما فعلَتْ بعسكر التُّرْك والألمان أيدينا
وزار المدرسةَ يومًا الحاكمُ العسكري رضا باشا الركابي، وكان مَهيبًا مخيفًا ورث سطوة جمال باشا وإن لم يكن له ظلمه،
[ ٣٥٤ ]
ودخل الصف بلباسه العسكري تُزيّن صدرَه الأوسمةُ ويتدلى على جانبه السيف، ومن ورائه وزير المعارف والمديران وبعض الأعوان، وكان رفيقنا حسن السقّا يقرأ هذه القصيدة، فمد بها صوته وصال بها وجال ومال واختال، فلما انتهى قال له الباشا: من علمك هذا؟ فقال: الأستاذ (وأشار إلى حسني كنعان مدّ الله في عمره).
فمد الباشا يده ليصافحه، فنظرنا فإذا الأستاذ يصفَرُّ لونه ويميد ويكاد يهوي لولا أن استند على مقعد الطلاب، كل ذلك من رعبه من اليد الممتدة إليه، حتى إذا علم أنها مُدَّت للمصافحة عادت إليه روحه. فلما خرج الباشا قال الأستاذ: أرأيتم؟ هكذا ينبغي أن تكون الشجاعة ويكون الثبات!
وضحك التلاميذ ضحكًا مكتومًا، لا من كلامه، بل من البلل الذي لحظوه في سراويله!
وقد روى هذه القصة بنفسه وكتبها بقلمه، ولو كنت أعلم أنه يسوؤه ذكرها لما ذكرتها. والأستاذ حسني كنعان -بعد ذلك- من أبَرِّ الإخوان وأوفى الأصدقاء (١).
* * *
_________________
(١) كل ما جاء في هذه المقالة مفصل في الذكريات، وهذه القصة في الحلقة السادسة منها. وقد كان الأستاذ حسني من الأوفياء حقًا، لا أذكر أن جدي حلَّ بالشام يومًا إلا وكان من أسرع الناس إلى زيارته وأحرصهم على اللقاء به، على وُدٍ وإخاء وانسجام وصفاء جمع بينهما، رحمهما الله (مجاهد).
[ ٣٥٥ ]
تركت الناس يزدحمون على سيارة القصاع، وهي تجري في هذا الشارع الجديد الذي يمشي من المرجة من أمام الفندق الكبير إلى مدخل شارع بغداد، ورحت أعيش وحدي في دنيا تلك الأيام، حين لم يكن هذا الشارع ولا الفندق الكبير ولا شارع بغداد. حين كان إلى جنب الجامع بناء قديم يطل على المرجة، هو العدلية، وإلى جانبه بناء أقدم منه هو البريد، وكان في موضع الفندق بيوت صغار متصلة كبيوت البحصة.
كانت المرجة آخرَ البلد، كما كان آخرها من هناك القصّاع، وكانت دمشق كلها بيوتًا عربية متلاصقة، لم تكن فيها إلا عمارة واحدة هي عمارة العابد، ولم يكن فيها إلا شارع واحد هو شارع جمال باشا الذي افتتح سنة ١٩١٦، وأنا أتذكر فتحه. وكان طريق الصالحية يمشي بين البساتين، ما فيه إلا مجموعات قليلة من البيوت عند بوابة الصالحية وعند الشهداء وعَرْنوس. أما شارع بغداد، وأحياء الروضة والحبوبي والمزرعة والميدان الجديدة، فلم يكن لشيء من ذلك وجود. وكانت بوابة الصالحية جادة ضيقة، على يمينها (حيث يبدأ اليوم شارع بغداد) دك وراءه بستان يقال له بستان الكركة، وعن شمالها «الخسته خانة» (المستشفى العسكري)، وكان في موقع التجهيز الأولى تلال تُلقى عليها الأوساخ.
لم يكن في دمشق سنة ١٩١٨ شوارع ولا عمارات، ولا كان فيها هذا العدد من المدارس والمستشفيات، وما كان فيها إلا خمس سيارات فورد صغيرات، وما كان فيها هذا الجمهور من المهندسين والمحامين والأطباء، ولم تكن تضاء بيوتها بالكهرباء،
[ ٣٥٦ ]
ولم يسمع أحدٌ في دمشق بالرادّ، بل لم يكن قد وُجد يومئذ، ولا بالهاتف الآلي، ولا بمواقد الغاز، ولا بالغسّالات والبرّادات، ولم يركب أحد من أهل دمشق الطيارات.
ما كان في دمشق شيء من مظاهر هذه الحضارة النافعة، وما كان فيها كذلك شيء من أوْضارها ولا أضرارها، لا ملاهي ولا فسوق ولا إلحاد ولا تكشف، وكان الناس ينامون من بعد العشاء ويفيقون من قبل الشمس. وكانت المساجد ممتلئة والدروس فيها حافلة، وكان العلماء عاملين بعلمهم، يريدون به وجه الله لا يطلبون به الدنيا، وكان الناس يرجعون إليهم في شؤون دينهم ودنياهم.
هذه دمشق سنة ١٩١٨، ذكّرتني بها هذه الأنقاض، فهل كانت خيرًا أم ما نحن فيه هو الخير؟ هل خسرنا في هذه السنين الأربعين أم ربحنا؟
أما أنت يا مدرستي فعليك وعلى أساتذتي فيك وعلى رفاقي سلام الله ورحمته وبركاته.
* * *
[ ٣٥٧ ]