٥٢- فصل: أمر المؤمن بالتنظف
٢٦٩- تلمحت على خلق كثير من الناس إهمال أبدانهم، فمنهم من لا ينظف فمه بالخلال١ بعد الأكل، ومنهم من لا ينقي يديه في غسلهما من الزهم٢، ومنهم من لا يكاد يستاك، وفيهم من لا يكتحل، وفيهم من لا يراعي الإبط إلى غير ذلك، فيعود هذا الإهمال بالخلل في الدين والدنيا.
_________________
(١) ١ الخلال: أعواد ينظف بها ما بين الأسنان. ٢ الزهم: الدسم.
[ ١٠٣ ]
٢٧٠- أما الدين، فإنه قد أمر المؤمن بالتنظف، والاغتسال للجمعة، لأجل اجتماعه بالناس، ونهى عن دخول المسجد إذا أكل الثوم١، وأمر الشرع بتنقية البراجم٢، وقص الأظفار، والسواك٣، والاستحداد٤ وغير ذلك من الآداب؛ فإذا أهمل ذلك، ترك مسنون الشرع، وربما تعدى بعض ذلك إلى فساد العبادة، مثل أن يهمل أظفاره، فيجمع تحته الوسخ المانع للماء في الوضوء أن يصل.
٢٧١- وأما الدنيا، فإني رأيت جماعة من المهملين أنفسهم يتقدمون إلى السرار٥، والغفلة التي أوجبت إهمالهم أنفسهم أوجبت جهلهم بالأذى الحادث عنهم، فإذا أخذوا في مناجاة السر، لم يمكن أن أصدف٦ عنهم؛ لأنهم يقصدون السر، فألقى الشدائد من ريح أفواههم، ولعل أكثرهم من وقت انتباههم ما أمر إصبعه على أسنانه!!
ثم يوجب مثل هذا نفور المرأة، وقد لا تستحسن ذكر ذلك للرجل، فيثمر ذلك التفاتها عنه، وقد كان ابن عباس ﵄ يقول: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي.
٢٧٢- وفي الناس من يقول: هذا تصنع! وليس بشيء، فإن الله تعالى زيننا لما خلقنا؛ لأن للعين حظًّا في النظر، ومن تأمل أهداب العين والحاجبين وحسن ترتيب الخلفة، علم أن الله زين الآدمي.
٢٧٣- وقد كان النبي ﷺ أنظف الناس، وأطيب الناس٧. وفي الحديث عنه ﷺ: يرفع يديه حتى تبين عفرة إبطيه٨. وكان ساقه ربما انكشفت، فكأنها
_________________
(١) ١ البخاري "٨٥٢-٨٥٥"، ومسلم "٥٦٤" عن جابر ﵁. ٢ البراجم، جمع برجمة، وهي المفصل الظاهر أو الباطن من الأصابع. ٣ رواه البخاري "٨٧٨"، ومسلم "٢٥٢" عن أبي هريرة ﵁. ٤ "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء"، رواه مسلم عن عائشة ﵂، قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون: "المضمضة والاستحداد وحلق العانة". ٥ السرار: المناجاة. ٦ صدف عن الشيء: أعرض عنه. ٧ رواه ابن سعد كما في صحيح الجامع "٤٩٨٨". ٨ عفرة إبطيه: بياضهما.
[ ١٠٤ ]
جمارة١. وكان لا يفارقه السواك٢، وكان يكره أن يشم منه ريح ليست طيبة٣. وفي حديث أنس الصحيح: " ما شانه الله ببيضاء" ٤.
وقد قالت الحكماء: من نظف ثوبه، قل همه، ومن طاب ريحه، زاد عقله.
وقال ﵊ لأصحابه: "ما لكم تدخلون عليًّ قُلْحًا؟! استاكوا" ٥. وقد فضلت الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك٦.
٢٧٤- فالمتنظف ينعم نفسه، ويرفع منها قذرها٧. وقد قال الحكماء: من طال ظفره، قصرت يده.
٢٧٥- ثم إنه يقرب من قلوب الخلق، وتحبه النفوس، لنظافته وطيبه. وقد كان النبي ﷺ يحب الطيب٨.
٢٧٦- ثم إنه يؤنس الزوجة بتلك الحال، فإن النساء شقائق الرجال٩، فكما أنه يكره الشيء منها، فكذلك هي تكرهه، وربما صبر هو على ما يكره، وهي لا تصبر.
٢٧٧- وقد رأيت جماعة يزعمون أنهم زهاد، وهم من أقذر الناس، وذلك أنهم ما قومهم العلم.
٢٧٨- وأما ما يحكى عن داود الطائي١٠: أنه قيل له: لو سرحت لحيتك؟
_________________
(١) ١ جمارة النخل: باطن جذعها، يشير بذلك إلى بياض ساقيه ونظافتهما. ٢ رواه مسلم "٢٥٣". ٣ رواه مسلم "٥٦٥". ٤ رواه مسلم "٣٣٤١". ٥ قال الهيثمي في المجمع "١/ ٢٢٦": رواه أحمد والطبراني في الكبير واللفظ له، وفيه أبو علي الصيقل، وهو مجهول، ضعيف. والقلح: صفرة الأسنان. ٦ في هامش الأصل: في المصرية: "عبدها" كذا بمهملة، وفي الأحمدية: "عندها" وفي الهندية: عدتها، وليحرر. قلت: وما أثبته فمن "أ". ٧ رواه أحمد "٦/ ٢٧٢"، وأبو يعلى "٤٧٣٨"، والحاكم "١/ ١٤٦" وصححه ووافقه الذهبي. ٨ رواه أبو داود والحاكم عن عائشة ﵂. ٩ رواه أبو داود والترمذي وأحمد. ١٠ داود بن نصير الطائي، أبو سليمان، من العباد الزهاد، أصله من خراسان، مولده في الكوفة رحل إلى بغداد، وأخذ عن أبي حنيفة، وعاد إلى الكوفة، ولزم العباد إلى أن توفي سنة "١٦٥هـ".
[ ١٠٥ ]
فقال: إني عنها مشغول؛ فهذا قول معتذر عن العمل بالسنة، والإخبار عن غيبته عن نفسه بشدة خوفه من الآخرة، ولو كان مفيقًا لذلك، لم يتركه، فلا يحتج بحال المغلوبين.
٢٧٩- ومن تأمل خصائص الرسول ﷺ، رأى كاملًا في العلم والعمل، فيه يكون الافتداء، وهو الحجة على الخلق.
[ ١٠٦ ]