٧٣- فصل: انهيال الابتاء على المؤمن.
٣٩٠ تأملت أمرًا عجيبًا وأصلًا ظريفًا، وهو انهيال١ الابتلاء على المؤمن، وعرض صورة اللذات عليه، مع قدرته على نيلها، وخصوصًا ما كان في غير كلفة من تحصيله، كمحبوب موافق في خلوة حصينة. فقلت: سبحان الله! ها هنا يبين أثر الإيمان، لا في صلاة ركعتين، والله، ما صعد يوسف ﵇، ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام.
فبالله عليكم يا إخواني، تأملوا حاله، لو كان وافق هواه، من كان يكون؟! وقيسوا بين تلك الحالة وحالة آدم ﵇، ثم زنوا بميزان العقل عقبى تلك الخطيئة، وثمرة هذا الصبر، واجعلوا فهم الحال عدة عند كل مُشْتهًى.
_________________
(١) ١ انهيال: انصباب.
[ ١٣٧ ]
٣٩١- وإن اللذات لتعرض على المؤمن، فمتى لقيها في صف حربه وقد تأخر عنه عسكر التدبر للعواقب، هزم.
وكأني أرى الواقع في بعض أشراكها، ولسان الحال يقول له: قف مكانك، أنت وما اخترت لنفسك. فغاية أمره الندم والبكاء، فإن أمن إخراجه من تلك الهوة، لم يخرج إلا مدهونًا بالخدوش. وكم من شخص زلت قدمه، فما ارتفعت بعدها.
٣٩٢- ومن تأمل ذل إخوة يوسف ﵇ يوم قالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨]، عرف شؤم الزلل، ومن تدبر أحوالهم، قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق، وإن كانت توبتهم قبلت؛ لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح.
٣٩٣- ورب عظم هِيضَ١ لم ينجبر، فإن جبر، فعلى وهيٍ٢.
فتيقظوا -إخواني- لعرض المشتهيات على النفوس، واستوثقوا من لجم الخيل، وانتبهوا للغيم، إذا تراكم بالصعود إلى تلعة٣، فربما مد الوادي فراح بالركب٤.
_________________
(١) ١ هيض: كسر. ٢ الوهي: الضعف. ٣ التلعة: "من الأضداد": ما ارتفع من الأرض، وما انخفض منها. ٤ أي: جاء سيل فأهلك القافلة.
[ ١٣٨ ]