٣٢ تَفَكَّرْتُ يومًا في التكليف، فرأيته ينقسم إلى سهل وصَعْبٍ:
فأما السهل: فهو أعمال الجوارح؛ إلا أن منه ما هو أصعب من بعض، فالوضوء والصلاة أسهل من الصوم، والصوم ربما كان عند قوم أسهل من الزكاة.
وأما الصعب، فيتفاوت، فبعضها أصعب من بعض:
فمن المستصعب: النظر والاستدلال الموصلان إلى معرفة الخالق، فهذا صعب عند من غلبت عليه أمور الحس، سهل عند أهل العقل.
ومن المستصعب: غلبة الهوى، وقهر النفوس، وكف أكف الطباع عن التصرف فيما يؤثره، وكل هذا يسهل على العاقل النظر في ثوابه، ورجاء عاقبته، وإن شق عاجلًا.
٣٣ وإنما أصعب التكاليف وأعجبها: أنه قد ثبتت حكمة الخالق عند العقل ثم يراه١ يفقر المتشاغل بالعلم، المقبل على العبادة، حتى يعضه الفقر بناجذيه٢، فيذل للجاهل في طلب القوت، ويغني الفاسق مع الجهل حتى تفيض الدنيا عليه٣.
_________________
(١) ١ أي: يرى العقل الخالق. ٢ النواجذ: هي أبعة أضراس بعد الأرحاء، ويسمى ضرس الحلم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. وتسميه العامة: أضراس العقل. ٣ العقل والعلم والإقبال على العبادة من النعم التي لا يعدلها مال؛ فهل يستوي هذا مع الجهل والغفلة، ولو أوتي الجاهل كنوز قارون؟ قال سفيان بن عيينة: من زيد في عقله نقص من رزقه، قلت: لأن العقل من الرزق كما قال علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٣٢ ]
ثم نراه ينشئ الأجسام ويحكمها، ثم ينقض بناء الشباب في مبدئ أمره، وعند استكمال بنائه؛ فإذا به قد عاد هشيمًا.
ثم نراه يؤلم الأطفال، حتى يرحمهم كل طبع، ثم يقال له: إياك أن تشك في أنه أرحم الراحمين.
ثم يسمع بإرسال موسى إلى فرعون، ويقال له: اعتقد أن الله تعالى أضل فرعون، واعلم أنه ما كان لآدم بد من أكل الشجرة، وقد وبخ بقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ "طه: ١٢١".
وفي مثل هذه الأشياء تحير خلق، حتى خرجوا إلى الكفر والتكذيب، ولو فتشوا على سر هذه الأشياء، لعلموا أن تسليم هذه الأمور تكليف العقل ليذعن.
هذا أصل، إذا فهم، حصل منه السلامة والتسليم، نسأل الله -﷿- أن يكشف لنا الغوامض، التي حيرت من ضل، إنه قريب مجيب.
[ ٣٣ ]