٥٣- تأملت أحوال الصوفية والزهاد، فرأيت أكثرها منحرفًا عن الشريعة، بين جهل بالشرع، وابتداع بالرأي، يستدلون بآيات لا يفهمون معناها، وبأحاديث لها أسباب، وجمهورها لا يثبت.
فمن ذلك أنهم سمعوا في القرآن العزيز: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ " آل عمران: ١٨٥"، ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ "الحديد: ٢٠"، ثم سمعوا في الحديث: "للدنيا أهون على الله من شاة ميتة على أهلها"١، فبالغوا في هجرها من غير بحث عن حقيقتها! وذلك أنه ما لم يعرف حقيقة الشي، فلا يجوز أن يمدح ولا أن يذم.
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٢٩٥٧" عن جابر ﵁.
[ ٣٩ ]
٥٤- فإذا بحثنا عن الدنيا، رأينا هذه الأرض البسيطة، التي جعلت قرارًا للخلق، تخرج منها أقواتهم، ويدفن فيها أمواتهم. ومثل هذا لا يذم لموضع المصلحة فيه.
٥٥- ورأينا ما عليها من ماء وزرع وحيوان، كله لمصالح الآدمي، وفيه حفظ لسبب بقائه، ورأينا بقاء الآدمي سببًا لمعرفة ربه، وطاعته إياه وخدمته، وما كان سببًا لبقاء العارف العابد يمدح ولا يذم.
٥٦- فبان لنا أن الذم إنما هو لأفعال الجاهل، أو العاصي في الدنيا، فإنه إذا اقتنى المال المباح، وأدى زكاته، لم يلم؛ فقد علم ما خلف الزبير وابن عوف وغيرهما، وبلغت صدقة عليٍّ ﵁ أربعين ألفًا، وخلف ابن مسعود تسعين ألفًا، وكان الليث بن سعد١ يستغل٢ كل سنة عشرين ألفًا، وكان سفيان٣ يتجر بمال، وكان ابن مهدي٤ يستغل كل سنة ألفي دينار.
٥٧- وإن أكثر من النكاح والسراري، كان ممدوحًا لا مذمومًا؛ فقد كان للنبي ﷺ زوجات وسراري، وجمهور الصحابة كانوا على الإكثار في ذلك، وكان لعلي بن أبي طالب ﵁ أربع حرائر، وسبع عشرة أمة، وتزوج ولده الحسن نحوًا من أربع مئةٍ.
٥٨- فإن طلب التزوج للأولاد، فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ، فمباح، يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى، من إعفاف نفسه والمرأة. إلى غير ذلك. وقد أنفق موسى ﵇ من عمره الشريف عشر سنين في مهر ابنة شعيب؛ فلولا ذلك. وقد أنفق موسى ﵇ من عمره الشريف عشر سنين في مهر ابنة شعيب، فلولا أن النكاح من أفضل الأشياء، لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه. وقد قال ابن
_________________
(١) ١ الليث بن سعد، أبو الحارث "٩٤-١٧٥هـ" إمام أهل مصر في عصره حديثًا وفقهًا، ومن الأجواد المشهورين. ٢ يستغل: تبلغ غلتها. وفي الأصل يشتغل، وهو تصحيف. ٣ سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي "٩٧- ١٧٥هـ " أمير المؤمنين في الحديث، وسيد أهل زمانه علمًا وفتوى، مات مستخفيًا في البصرة. ٤ عبد الرحمن بن مهدي اللؤلؤي، أبو سعيد من كبار حفاظ الحديث، وإليه كتب الشافعي كتاب الرسالة، وقال: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا.
[ ٤٠ ]
عبَّاس ﵄: خيار هذه الأمة أكثرها نساء، وكان يطأ جارية له، وينزل في أخرى، وقالت سرية١ الربيع بن خثيم٢: كان الربيع يعزل٣.
٥٩- وأما المطعم، فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة الله ﷿، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله.
وقد كان النبي -ﷺ- يأكل ما وجد، فإن وجد اللحم أكله، ويأكل لحم الدجاج٤، وأحب الأشياء إليه الحلوى والعسل٥، وما نقل عنه أنه امتنع من مباح.
وجيء علي ﵁ بفالوذج٦، فأكل منه، وقال: ما هذا؟ قالوا: يوم النوروز٧. فقال: نورزونا كل يوم.
وإنما يكره الأكل فوق الشبع، واللبس على وجه الاختيال والبطر.
٦٠- وقد اقتنع أقوام بالدون من ذلك؛ لأن الحلال الصافي لا يكاد يمكن فيه تحصيل المراد؛ وإلا فقد لبس النبي ﷺ حلة اشتريت له بسبعة وعشرين بعيرًا٨، وكان لتميم الداري حلة اشتريت بألف درهم يصلي فيها بالليل.
٦١- فجاء أقوام، فأظهروا التزهد، وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى، ثم تطلبوا لها الدليل، وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقًا، ويتطلب دليلها!
_________________
(١) ١ السرية: الأمة التي يقتنيها سيدها ليتمتع بها. ٢ أبو يزيد الثوري الكوفي، عابد مخضرم، كان يعد من عقلاء الرجال، توفي سنة "٦٥هـ". ٣ يعزل: أي لا يدع جاريته تحمل منه. ٤ رواه البخاري "٥٥١٧ و٥٥١٨"، ومسلم "١٢٦٨و ١٦٤٩" عن أبي موسى ﵁. ٥ رواه البخاري "٤٩١٢ و٥٤٣١" عن عائشة ﵂. ٦ الفالوذج: فارسي معرب "بالوده" أي: الصافي والمصفى، وهو نوع من الحلوى تصنع من الدقيق والماء والعسل، وتسمى الآن بالوظة وهي تشبه الجيلي. ٧ النوروز: فارسي معرب معناه: اليوم الجديد، وهو عيد رأس السنة عند الفرس، ويصادف أول فصل الربيع. ٨ لم أجده لكن روى أبو داود "٣٠٣٤" عن أنس بن مالك: أن الملك ذا يزن أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرًا، فقبلها. "ضعيف".
[ ٤١ ]
ثم انقسموا:
١- فمنهم متصنع في الظاهر، ليث الشرى١ في الباطن، يتناول في خلواته الشهوات، وينعكف على اللذات، ويرى الناس بزيه أنه متصوف متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظر إلى أحواله، فعنده كِبْرُ فرعون.
٢- ومنهم سليم الباطن، إلا أنه في الشرع جاهل.
٣- ومنهم من تصدر، وصنف، فاقتدى به الجاهلون في هذه الطريقة، وكانو كعمي اتبعوا أعمى، ولو أنهم تلمحوا٢ للأمر الأول، الذي كان عليه الرسول ﷺ والصحابة ﵃، لما زاغوا.
٦٢- ولقد كان جماعة من المحققين لا يبالون بمعظم في النفوس إذا حاد عن الشريعة، بل يوسعونه لومًا، فنقل عن أحمد أنه قال له المروذي٣: ما تقول في النكاح؟ فقال: سنة النبي ﷺ. فقال: فقد قال إبراهيم٤. قال: فصاح بي، وقال: جئتنا بِبُنَيَّاتِ الطريق؟ ٥.
وقيل له: إن سَرِيًّا السقطي٦ قال: لما خلق الله تعالى الحروف، وقف الألف، وسجدت الباء.. فقال: نَفِّرُوا الناس عنه.
٦٣- واعلم أن المحقق لا يهوله اسم معظم، كما قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كان على الباطل؟ فقال له: إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق، تعرف أهله.
٦٤- ولعمري، إنه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام، فإذا نقل عنهم شيء،
_________________
(١) ١ الشرى: جبل بتهامة تكثر فيها الأسود. ٢ تلمحوا: نظروا. ٣ أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر المروذي، المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله، ولد في حدود المئتين، وتوفي سنة "٢٧٥هـ"، وقد جاء في الأصل المروزي والتصويب من سير أعلام النبلاء. ٤ هو ابن أدهم التميمي البلخي، أبو إسحاق زاهد مشهور توفي سنة "١٦١هـ". ٥ بنيات الطريق: الترهات. انظر: تمام كلام الإمام في الفصل "٣٤". ٦ سري بن المغلس، أبو الحسن "١٦٠ -٢٥٣هـ" من كبار المتصوفة، بغدادي المولد والوفاة، هو خال الإمام الجنيد وأستاذه.
[ ٤٢ ]
فسمعه جاهل بالشرع، قبله، لتعظيمهم في نفسه، كما ينقل عن أبي يزيد١ ﵁: أنه قال: تراعنت٢ على نفسي، لحلفت لا أشرب الماء سنة٣. وهذا إذا صح عنه، كان خَطَأً قَبِيْحًا، وزلةً فاحشةً؛ لأن الماء ينفذ الأغذية إلى البدن، ولا يقوم مقامه شيء؛ فإذا لم يشرب، فقد سعى في أذى بدنه، وقد كان يستعذب الماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
أفترى هذا فعل من يعلم أن نفسه ليست له، وأنه لا يجوز التصرف فيها إلا عن إذن مالكه؟!
٦٥- وكذلك ينقلون عن بعض الصوفية: أنه قال: سرت إلى مكة على طريق التوكل حافيًا، فكانت الشوكة تدخل في رجلي، فأحكها بالأرض، ولا أرفعها، وكان عَلَيَّ مسح٥، فكانت عيني إذا آلمتني، أدلكها بالمسح، فذهبت إحدى عيني. وأمثال هذا كثير، وربما حملها القصاص على الكرامات، وعظموها عند العوام، فيخايل لهم أن فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي وأحمد.
ولعمري، إن هذا من أعظم الذنوب، وأقبح العيوب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ "النساء: ٢٩"، وقال النبي ﵊: "إن لنفسك عليك حقًّا" ٦. وقد طلب أبو بكر رضي الله عه في طريق الهجرة للنبي ﷺ ظلًّا، حتى رأى صخرة، ففرش له في ظلها٧.
٦٦- وقد نقل عن قدماء هذه الأمة بدايات هذا التفريط، وكان سببه من وجهين: أحدهما: الجهل بالعلم. والثاني: قرب العهد بالرهبانية.
_________________
(١) ١ طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد "١٨٨ -٢٦١هـ" زاهد مشهور، وليد وتوفي في بسطام. ٢ تراعنت: هاجت وتمردت. ٣ لعله يقصد الماء البارد، لا مطلق الماء. ٤ رواه أبو داود "٣٧٣٥" والحاكم "٤/ ١٣٨" عن عائشة ﵂. ٥ المسح: كساء من شعر أو صوف، وهو لباس الرهبان. ٦ رواه البخاري "١١٥٣"، ومسلم "١١٥٩" عن عبد الله بن عمرو ﵁ كما ذكره المؤلف في الفصل "١٦٢". ٧ رواه البخاري "٣٦٥٢"، ومسلم "٢٠٠٩" عن البراء ﵁، ويسمى حديث الرحل.
[ ٤٣ ]
وقد كان الحسن١يعيب فرقدًا السبخي٢ ومالك بن دينار٣ في زهدهما، فرئي عنده طعام فيه لحم، فقال: لا رغيفي مالك، ولا صحني فرقد.
ورأى على فرقد كساءً فقال: يا فرقد! إن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية.
٦٧- وكم قد زوق قاص مجلسه بذكر أقوام خرجوا إلى السياحة بلا زاد ولا ماء، وهو لا يعلم أن هذا من أقبح الأفعال، وأن الله تعالى لا يجرب عليه، فربما سمعه جاهل من التائبين، فخرج، فمات في الطريق، فصار للقائل نصيب من إثمه!!
وكم يروون عن ذي النون٤. أنه لقي امرأة في السياحة، فكلمها وكلمته، وينسون الأحاديث الصحاح: "لا يحل لامرأة أن تسافر يومًا وليلةً إلا بمحرم" ٥!!
٦٨- وكم ينقلون أن أقوامًا مشوا على الماء، وقد قال إبراهيم الحربي٦. لا يصح أن أحدًا مشى على الماء قط! فإذا سمعوا هذا، قالوا: أتنكرون كرامات الأولياء الصالحين؟! فنقول: لسنا من المنكرين لها، بل نتبع ما صح، والصالحون هم الذين يتبعون الشرع، ولا يتعبدون بآرائهم. وفي الحديث: "إن بني إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم"٧.
٦٩- وكم يحثون على الفقر، حتى حملوا أقوامًا على إخراج أموالهم، ثم آل بهم الأمر: إما إلى التسخط عند الحاجة، وإما إلى التعرض بسؤال الناس!
٧٠- وكم تأذى مسلم بأمرهم الناس بالتقلل! وقد قال النبي ﷺ: "ثلثٌ طعَامٌ،
_________________
(١) ١ أبو سعيد، الحسن بن يسار البصري "٢١-١١٠هـ" سيد التابعين، حبر الأمة في عصره، كان عالمًا زاهدًا شجاعًا، فصيحًا. ٢ فرقد بن يعقوب السبخي، أبويعقوب، أحد زهاد البصرة، توفي سنة "١٣١هـ"، كان صدوقًا عابدًا. قلت: وقد وقع في الأصل: السنجي، وهو خطأ. ٣ مالك بن دينار البصري، أبو يحيى، علم العلماء الأبرار، وأحد ثقات التابعين، كان يتكسب من نسخ المصاحف، توفي سنة "١٢٧هـ". ٤ ثوبان بن إبراهيم الإخميمي المصري أبو الفيض، الزاهد المشهور، ولد في أواخر عهد المنصور، نوبي الأصل، توفي في الجيزة سنة "٤٤٥هـ". ٥ رواه البخاري "١٠٨٨"، ومسلم "١٣٣٩" عن أبي هريرة ﵁. ٦ إبراهيم بن إسحاق الحربي، من أعلام المحدثين "١٩٨ - ٢٨٥هـ"، تفقه على الإمام أحمد. ٧ رواه أبوداود "٤٩٠٤" عن أنس ﵁.
[ ٤٤ ]
وَثُلُثٌ شرابٌ، وثُلُثٌ نَفَسٌ" ١، فما قنعوا حتى أمروا بالمبالغة في التقلل.
فحكى أبو طالب المكي٢ في "قوت القلوب": أن فيهم من كان يزن قوته بِكَرَبَةٍ٣ رطبةٍ، ففي كل ليلة يذهب من رطوبتها قليل. وكنت أنا٤ ممن اقتدى بقوله في الصبا، فضاق المعيُ، وأوجب ذلك مرض سنين! أفترى هذا شيئًا تقتضيه الحكمة، أو ندب إليه الشرع؟! وإنما مطلية الآدمي قواه، فإذا سعى في تقليلها، ضعف عن العبادة.
٧١- "ولا تقولن: الحصول على الحلال المحض مستحيل، لذلك وجب الزهد، تجنبًا للشبهات، فإن المؤمن حسبه أن يتحرى في كسبه هو الحلال، ولا عليه من الأصول التي نبتت منها هذه الأموال"٥ فإنا لو دخلنا ديار الروم، فوجدنا أثمان الخمور، وأجرة الفجور، كان لنا حلالًا بوصفه الغنيمة.
أفتريد حلالًا على معنى أن الحبة٦ من الذهب لم تنتقل منذ خرجت من المعدن٧ على وجه لا يجوز؟ فهذا شيء لم ينظر فيه رسول الله ﷺ.
أو ليس قد سمعت أن الصدقة عليه حرام، فلما تصدق على بربرة بلحم، فأهدته؛ جاز له أكل تلك العين لتغير الوصف٨.
٧٢- وقد قال أحمد بن حنبل: أكره التقلل من الطعام، فإن أقوامًا فعلوه، فعجزوا عن الفرائض، وهذا صحيح، فإن المتقلل لا يزال يتقلل إلى أن يعجز عن النوافل، ثم الفرائض، ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن فعل خير قد كان يفعله.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٢٣٨٠"، وابن ماجة "٣٣٤٩"، والحاكم "٤/ ١٢١" عن المقدام بن معدي كرب. ٢ محمد بن علي بن عطية الحارثي، أبو طالب، واعظ زاهد فقيه، نشأت واشتهر بمكة، ثم سكن بغداد فوعظ فيها، وبها توفي سنة "٣٨٦هـ". ٣ الكربة: الأصل العريض للسعف إذا يبس، أما الطري منها فيؤكل. ٤ أي مؤلف هذا الكتاب. ٥ زيادة من "أ". ٦ الحبة = ٠.٠٤٤٦ غم. ٧ المعدن: المنجم. ٨ عن عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ بلحم بقر، فقيل: هذا ما تصدق به على بريرة، فقال: "هو لها صدقة ولنا هدية" رواه البخاري "٢٥٧٨" ومسلم "١٠٧٥".
[ ٤٥ ]
٧٣- ولا يهولنك ما تسمعه من الأحاديث التي تحث على الجوع، فإن المراد بها: إما الحث على الصوم، وإما النهي عن مقاومة الشبع١، فأما تنقيص المطعم على الدوام، فمؤثر في القوى فلا يجوز.
٧٤- ثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم، والنبي ﷺ كان يود أن يأكله كل يوم٢.
٧٥- واسمع مني بلا مُحَابَاةٍ: لا تحتجن علي بأسماء الرجال، فتقول: قد قال بشر٣، وقال إبراهيم بن أدهم، فإن من احتج بالرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أقوى حجة. على أن لأفعال أولئك وجوهًا تحملها عليهم بحسن الظن.
ولقد ذاكرت بعض مشايخنا ما يروى عن جماعة من السادات أنهم دفنوا كتبهم! فقلت له: ما وجه هذا؟ فقال: أحسن ما نقول أن نسكت! يشير إلى أن هذا جهل من فاعله، وتأولت أنا لهم، فقلت: لعل ما دفنوا من كتبهم فيه شيء من الرأي، فما رأوا أن يعمل الناس به.
ولقد روينا في الحديث٤ عن أحمد بن أبى الحواري٥: أنه أخذ كتبه؛ فرمى بها في البحر، وقال: نعم الدليل كنت، ولا حاجة لنا إلى الدليل بعد الوصول إلى المذلول!
وهذا إذا أحسنا به الظن، قلنا: كان فيها من كلامهم ما لا يرتضيه، فأما إذا كانت علومًا صحيحة، كان هذا من أفحش الإضاعة.
وأنا وإن تأولت لهم هذا؛ فهو تأويل صحيح في حق العلماء منهم: لأنا قد روينا عن سفيان الثوري أنه قد أوصى بدفن كتبه، وكان ندم على أشياء كتبها عن
_________________
(١) ١ أي: النهي عن الأكل فوق الشبع. ٢ انظر: ما جاء في هذا في كنز العمال "٤٠٩٩٤ - ٤١١٠٠٩" و"٤١٨٠٢ - ٤١٨٠٦". ٣ بشر بن الحارث المروزي، أبو نصر الحافي، وسيرد بهذا المعنى في أكثر من موضع. ٤ الحديث هنا بمعناه اللغوي لا بمعناه الاصطلاحي، وسيرد بهذا المعنى في أكثر من موضع. ٥ أحمد بن عبد الله بن ميمون الثعلبي الغطفاني، أبو الحسن، شيخ أهل الشام، إمام حافظ زاهد "١٦٤ ٢٤٦هـ".
[ ٤٦ ]
قومٍ، وقال: حملني شهوة الحديث، وهذا؛ لأنه كان يكتب عن الضعفاء والمتروكين، فكأنه لما عسر عليه التمييز، أوصى بدفن الكل. وكذلك من كان له رأي من كلامه، ثم رجع عنه، جاز أن يدفن الكتب التي فيها ذلك. فهذا وجه التأويل للعلماء.
٧٦- فأما المتزهدون الذين رأوا صورة فعل العلماء، ودفنوا كتبًا صالحةً، لئلَّا تشغلهم عن التعبد، فإنه جهل منهم؛ لأنهم شرعوا في إطفاء مصباح يضيء لهم، مع الإقدام على تضييع مال لا يحل تضييعه.
٧٧- ومن جملة من عمل بواقعة دفن كتب العلم يوسف بن أسباط١، ثم لم يصبر عن التحديث، فخلط، فعد في الضعفاء.
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك٢، قال: أخبرنا محمد بن المظفر الشامي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: حدثنا يوسف بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عمرو العقيلي٣، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: أخبرنا أحمد بن خالد الخلال، قال: سمعت شعيب بن حرب٤ يقول: قلت ليوسف بن أسباط: كيف صنعت بكتبك؟ قال: جئت إلى الجزيرة، فلما نضب الماء دفنتها، حتى جاء الماء عليها فذهبت. قلت: ما حملك على ذلك؟ قال: أردت أن يكون الهمُّ همًّا واحدًا.
قال العقيلي: وحدثني آدم: قال: سمعت البخاري٥، قال: قال صدقة: دفن يوسف بن أسباط كتبه، وكان بعد يغلب عليه الوهم، فلا يجيء كما ينبغي.
٧٨- قال المؤلف: قلت: الظاهر أن هذه كتب علم ينفع؛ ولكن قلة العلم أوجبت هذا التفريط، الذي قصد به الخير، وهو شر، فلو كانت كتبه من جنس كتب
_________________
(١) ١ من سادات المشايخ، زاهد عابد، توفي سنة نيف وتسعين ومئة. ٢ الأنماطي، أبو البركات، من شيوخ المؤلف، كان إمامًا حافظًا، عابدًا سريع الدمعة، دائم البشر "٤٦٢ - ٥٣٨ هـ". ٣ محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، أبو جعفر، الإمام الحافظ الناقد، توفي سنة "٣٢٢هـ". ٤ شيخ الإسلام، الإمام القدوة العابد، أبو صالح المدائني المجاور بمكة، توفي بها سنة "١٩٦هـ". ٥ محمد بن إسماعيل إمام أهل الحديث صاحب الصحيح "١٩٤- ٢٥٦هـ".
[ ٤٧ ]
الثوري -فإن فيها عن ضعفاء، ولم يصح له التمييز- قرب الحال؛ إنما تعليله بجمع الهم، هو الدليل على أنها ليست كذلك، فانظر إلى قلة العلم ماذا تؤثر مع أهل الخير!
٧٩- ولقد بلغنا في الحديث عن بعض من نعظمه، ونزوره: أنه كان على شاطئ دجلة، فبال، ثم تيمم! فقيل له: الماء قريب منك! فقال: خفت ألا أبلغه! وهذا، وإن كان يدل على قصر الأمل، إلا أن الفقهاء إذا سمعوا عنه مثل هذا الحديث، تلاعبوا به، من جهة أن التيمم إنما يصح عند عدم الماء، فإذا كان الماء موجودًا، كان تحريك اليدين بالتيمم عبثًا، وليس من ضرورة وجود الماء أن يكون إلى جانب المحدث، بل لو كان على أذرع كثيرة، كان موجودًا، فلا فعل للتيم، ولا أثر حينئذ.
٨٠- ومن تأمل هذه الأشياء، علم أن فقيهًا واحدًا -وإن قل أتباعه، وخفت إذا مات أشياعه- أفضل من ألوف تتمسح العوام بهم تبرُّكًا! ويشيع جنائزهم ما لا يحصى.
وهل الناس إلا صاحب أثر يتبعه، أو فقيه يفهم مراد الشرع، ويفتي به؟!
نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليدًا لهم بغير دليل، فإن من ورد المشرب الأول، رأى سائر المشارب كدرة.
٨١- والمحنة العظمى مدائح العوام، فكم غرت! كما قال علي ﵁: ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئًا.
ولقد رأينا وسمعنا من العوام أنهم يمدحون الشخص، فيقولون: لا ينام الليل، ولا يفطر النهار، ولا يعرف زوجة، ولا يذوق من شهوات الدنيا شيئًا، قد نحل جسمه، ودق عظمه، حتى إنه يصلي قاعدًا، فهو خير من العلماء الذين يأكلون، ويتمتعون! ذلك مبلغهم من العلم.
ولو فقهوا، علموا أن الدنيا لو اجتمعت في لقمته، فتناولها عالم يفتي عن الله، ويخبر بشريعته، كانت فتوى واحدة منه، يرشد بها إلى الله تعالى خيرًا وأفضل من عبادة ذلك العابد باقي عمره، وقد قال ابن عباس ﵁: فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد.
[ ٤٨ ]
٨٢- ومن سمع هذا الكلام، فلا يظنن أنني أمدح من لا يعمل بعلمه؛ وإنما أمدح العاملين بالعلم، وهم أعلم بمصالح أنفسهم؛ فقد كان فيهم من يصلح على خشن العيش، كأحمد بن حنبل، وكان فيهم من يستعمل رقيق العيش، كسفيان الثوري مع ورعه، ومالك مع تدينه، والشافعي مع قوة فقهه.
ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه، فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه، وقد قالت رابعة١: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج، فكله.
٨٣- ولا تكونن أيها السامع ممن يرى صور الزهد، فرب متنعم لا يريد التنعم، وإنما يقصد المصلحة، وليس كل بدن يقوى على الخشونة، خصوصًا من قد لاقى الكد، وأجهده الفكر، أو أمضه٢ الفقر؛ فإنه إن لم يرفق بنفسه، ترك واجبًا عليه من الرفق بها.
فهذه جملة، لو شرحتها بذكر الأخبار والمنقولات لطالب؛ غير أني سطرتها على عجل حين جالت في خاطري. والله ولي النفع برحمته.
_________________
(١) ١ رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، أم عمرو الزاهدة الخاشعة العابدة، عاشت ثمانين سنة، توفيت سنة "١٨٠هـ". ٢ أمضّه: آلمه، وشق عليه.
[ ٤٩ ]