٨٤- قد أشكل على الناس أمر النفس١ وماهيتها٢، مع إجماعهم على وجودها، ولا يضر الجهل بذاتها مع إثباتها.
٨٥- ثم أشكل عليهم مصيرها بعد الموت، ومذهب أهل الحق أن لها وجودًا بعد موتها، وأنها تنعم وتعذب، قال أحمد بن حنبل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار.
وقد جاء في أحاديث الشهداء: "أنها في حواصل طير خضر تعلق من
_________________
(١) ١ النفس: الروح. ٢ ماهيتها: حقيقتها وجوهرها.
[ ٤٩ ]
شَجَرِ الجَنَّةِ"١.
٨٦- وقد أخذ بعض الجهلة بظواهر أحاديث النعيم، فقال: إن الموتى يأكلون في القبور وينكحون، والصواب من ذلك: أن النفس تخرج بعد الموت إلى نعيم أو عذاب، وأنها تجد ذلك إلى يوم القيامة، فإذا كانت القيامة، أعيدت إلى الجسد، ليتكمل لها التنعم بالوسائط.
٨٧- وقوله: "فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ" دليل على أن النفوس لا تنال لذة إلا بواسطة، إن كانت٢ تلك اللذة لذة مطعم أو مشرب، فأما لذات المعارف والعلوم، فيجوز أن تنالها بذاتها مع عدم الوسائط.
٨٨- والمقصود من هذا المذكور أني رأيت بعض الانزاعاج من الموت، وملاحظة النفس بعين العدم عنده، فقلت لها: إن كنت مصدقة الشريعة، صار الكلام في بيان صحة الشريعة، فقالت: لا ريب عندي. قلت: فاجتهدي في تصحيح الإيمان، وتحقيق التقوى، وأبشري حينئذ بالراحة من ساعة الموت، فإني لا أخاف عليك إلا من التقصير في العمل. واعلمي أن تفاوت النعيم بمقدار درجات الفضائل، فارتفعي بأجنحة الجد إلى أعلى أبراجها، واحذري من قانص٣ هوى، أو شرك غزة٤، والله الموفق.
_________________
(١) ١ رواه النسائي "٢٠٧٣"، والترمذي "١٦٤١" عن كعب بن مالك ﵁. ٢ في الأصل: إلا أن. ٣ القانص: الصياد. ٤ الغرة: الغفلة.
[ ٥٠ ]