٨٩- قلت يومًا في مجلسي: لو أن الجبال حملت ما حملت، لعجزت؛ فلما عدت إلى منزلي، قالت لي النفس: كيف قلت هذا، وربما أوهم الناس أن بك بلاء، وأنت في عافية في نفسك وأهلك؟! وهل الذي حملت إلا التكليف الذي يحمله الخلق كلهم؟! فما وجه هذه الشكوى؟!
[ ٥٠ ]
فَأَجَبْتُهَا: إني لما عجزت عما حملت، قلت هذه الكلمة، لا على سبيل الشكوى، ولكن للاسترواح، وقد قال كثير من الصحابة والتابعين قبلي: ليتنا لم نخلق! وما ذاك إلا لأثقال عجزوا عنها، ثم من ظن أن التكاليف سهلة فما عرفها.
أترى يظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء، أو الوقوف في محراب لأداء ركعتين؟! هيهات! هذا أسهل التكليف!
وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال، ومن جملته: أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل، ألزمت العقل الإذعان للمقدر، فكان من أصعب التكليف، وخصوصًا فيما لا يعلم العقل معناه، كإيلام الأطفال، وذبح الحيوان، مع الاعتقاد بأن المقدر لذلك، والآمر به أرحم الراحمين، فهذا مما يتحير العقل فيه، فيكون تكليفه التسليم وترك الاعتراض، فكم بين تكليف البدن وتكليف العقل!
ولو شرحت هذا لطال، غير أني أعتذر عما قلته، فأقول عن نفسي -وما يلزمني حال غير-: إنني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة، فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد منه، بل فنونه كلها، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى وقوف بغض المطلوبات حسرات.
٩٠- ثم إن العلم دلني على معرفة المعبود، وحثني على خدمته، ثم صاحت بي الأدلة عليه إليه، فتوقفت بين يديه، فرأيته في نعته، وعرفته بصفاته، وعاينت بصيرتي من ألطافه ما دعاني إلى الهيمان٢ في محبته، وحركني إلى التخلي لخدمته، وصار يملكني أمر كالوجد، كلما ذكرته، فعادت خلوتي في خدمتي له أحلى عندي من كل حلاوة.
٩١- فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل إلى الخلوة، صاح بي العلم: أين تمضي؟! أتعرض عني، وأنا سبب معرفتك به؟! فأقول له: إنما كنت دليلًا، وبعد
_________________
(١) ١ في حاشية الأصل: في الأحمدية: يعقد، قلت: يظهر: يغلب. ٢ الهيمان: الشغف.
[ ٥١ ]
الوصول يستغنى عن الدليل، قال: هيهات! كلما زدت، زادت معرفتك لمحبوبك، وفهمت كيف القرب منه. ودليل هذا: أنك تعلم غدًا أنك اليوم في نقصان. أوما تسمعة يقول لنبيه ﷺ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]؟!
٩٢- ثم ألست تبغي القرب منه؟! فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام! أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد، لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم؟! أما قال الرسول ﷺ لعلي ﵁: "لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حُمْرِ النَّعَم" ١؟!
فلما فهمت صدق هذه المقالة، تهوست على تلك الحالة٢، وكلما تشاغلت بجمع الناس، تفرق همي٣، وإذا وجدت مرادي من نفعهم، ضعفت أنا، فأبقى في حيز التحير مترددًا، لا أدري على أي القدمين أعتمد؟
٩٣- فإذا وقفت متحيزًا؛ صاح العلم: قم لكسب العيال، وادأب في تحصيل ولد يذكر الله، فإذا شرعت في ذلك، قلص ضرع٤ الدنيا وقت الحلب، ورأيت باب المعاش مسدودًا في وجهي؛ لأن صناعة العلم شغلتني عن تعلم صناعة.
٩٤- فإذا التفت إلى أبناء الدنيا، رأيتهم لا يبيعون شيئًا من سلعها إلا بدين المشتري! أو ليت من نافقهم أو راءاهم نال من دنياهم، بل ربما ذهب دينه، ولم يحصل مراده!!
فإن قال الضجر: اهرب! قال الشرع: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت"٥، وإن قال العزم: انفرد! قال: فكيف بمن تعول؟!
٩٥- فغاية الأمر أنني أشرع في التقلل من الدنيا، وقد ربيت في نعيمها، وغذيت بلبانها٦، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة، فإذا غيرت لباسي،
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٣٧٠١"، ومسلم "٢٤٠٦"، عن سهل بن سعد ﵁. ٢ تهوست على تلك الحالة: أي بقيت أحدث نفسي. ٣ تفرق همي: فترت عزيمتي. ٤ قلص الضرع: انقبض ولم يحلب. ٥ رواه مسلم "٩٩٦"، وأبو داود "١٦٩٢" واللفظ له عن عبد الله بن عمرو ﵁. ٦ بلبانها: بالرضاع منها، حيث شبه الدنيا بأمه، أي: تعوَّد على نعميها من صغره.
[ ٥٢ ]
وخشنت مطمعي؛ لأن القوت لا يحتمل الانبساط١ نفر الطبع لفراق العادة، فحل المرض، فقطع عن واجبات، وأوقع في آفات! ومعلوم أن لين اللقمة بعد التحصيل من الوجه المستطابة، ثم تخشينها لمن لم يألف سعي في تلف النفس. فأقول: كيف أصنع؟! وما الذي أفعل؟! وأخلو بنفسي في خلواتي، وأتزيد من البكاء على نقص حالاتي، وأقول: أصف حال العلماء، وجسمي يضعف عن إعادة العلم!! وحال الزهاد، وبدني لا يقوى على الزهد!! وحال المحبين، ومخالطة الخلق تشتت همي، وتنقش صور المحبوبات من الهوى في نفسي، فتصدأ مرآة قلبي!! وشجرة المحبة تحتاج إلى تربية في تربة طيبة تسقى ماء الخلوة من دولاب الفكرة.
وإن آثرت التكسب، لم أطق، وإن تعرضت لأبناء الدنيا، مع أن طبعي الأنفة من الذل، وتديني يمنعني، فلا يبقى للميل مع هذين الجاذبين أثر! ومخالطة الخلق يؤذي النفس مع الأنفاس، فلا تحقيق التوبة أقدر عليه، ولا نيل مرتبة من علم أو عمل أو محبة يصح لي.
فإذا رأيتني كما قال القائل:
أَلْقَاهُ فِي الْيَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ
تحيرت في أمري، وبكيت على عمري، وأنادي في فلوات خلواتي بما سمعته من بعض العوام، وكأنه وصف حالي:
وَاحَسْرَتِي كَمْ أُدَارِيْ فِيكَ تَعْثِيرِي مِثْلَ الأَسِيرِ بِلا حَيْلٍ ولَا سَيْرِ
مَا حِيْلَتِي فِي الْهَوَى قَدْ ضَاعَ تَدْبِيرِي لَمَّا شَكَلْتَ جَنَاحِي قُلْتَ لِي طِيْرِي٢
_________________
(١) ١ الانبساط: الزيادة في الإنفاق. ٢ شكل الجناح: ربطه.
[ ٥٣ ]